|
شخصية مهرجان القرين الثقافي الثالث عشر

الدكتور
ثروت عكاشة
الدكتور ثروت عكاشة هو أحد المثقفين المصريين
النادرين بتكوينه الفكري والإنساني، فهو الكاتب
المبدع الموسوعي الثقافة والفكر، والعالم المتذوق
للفنون جميعها، والمؤرخ والناقد لها.
آمن بالتغيير والتجديد، وسعى إليهما بنظرة
مستقبلية متفائلة. عاملاً على إرساء الدعائم
الأساسية لنهضة مصر الحديثة، كان رجل الثورة
المستنير وصاحب المشروع الحداثي.
تشهد له بذلك إنجازاته الكبيرة التي لا تزال شامخة
إلى اليوم، فهو صاحب المبادرة والفضل في إنشاء
معاهد السينما والمسرح والباليه وتشييد دار الكتب
والوثائق القومية وقصور الثقافة.
وهو صاحب المآثر الخالدة في الذاكرة الإنسانية
المتجسدة في مشروعه لإنقاذ آثار النوبة ومعبدي
سمبل وفيلة.
وهو إلى ذلك المفكر والفنان الذي لم تشغله المهام
والأنشطة الرسمية الكثيرة عن الإبداع في مجالات
الأدب والفلسفة والفنون.
إنه، كما يراه الكثيرون، الشخصية الثقافية الأولى
في مصر، كان اسمه يتردد صداه على امتداد الوطن
العربي الكبير، وفي عواصم الثقافة في أوروبا، وفي
أروقة اليونيسكو وقاعاتها الواسعة.
يتحدث عارفوه عن تواضعه الذي لا نجده إلا عند
الرجل الكبير في خلقه العالي في منزلته وعلمه، وعن
شعوره العميق بالمسؤولية وحرصه على حمل الأمانة
وتأديتها على أفضل وجه.
السيرة الذاتية
للدكتور
ثروت عكاشة
:
ولد في القاهرة عام 1921.
المؤهلات العلمية:
- تخرج في الكلية الحربية (1939)، وفي كلية أركان
الحرب (1948).
- دكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في فرنسا
(1951).
- دبلوم الصحافة من كلية الآداب، جامعة القاهرة
(1960).
أهم الوظائف التي تقلدها:
- ملحق عسكري في السفارة المصرية في بون ثم باريس
ومدريد (1953 - 1956).
- سفير مصر في روما (1957 - 1958).
- وزير الثقافة والإرشاد القومي (1958 - 1963).
- رئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب (1963)،
(1966 - 1970).
- رئيس إدارة البنك الأهلي المصري (1962 - 1966).
- عضو مجلس الأمة (1964 - 1966).
- نائب رئيس الوزراء ووزير الثقافة (1966 - 1970).
- مساعد رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية (1970 -
1972).
- استاذ زائر بالكوليج دي فرانس (1973).
1- نشاطه الإبداعي:
- موسوعة تاريخ الفن: (العين تسمع والأذن ترى).
- الفن المصري: العمارة (1971).
- الفن المصري: النحت والتصوير (1972).
- الفن المصري القديم: الفن السكندري والقبطي
(1976).
- الفن العراقي القديم (1974).
- التصوير الإسلامي الديني والعربي (1978).
- التصوير الإسلامي الفارسي والتركي (1983).
- الفن الإغريقي (1981).
- الفن الفارسي القديم (1989).
- فنون عصر النهضة: الرنيسانس والباروك والركوكو
(1988).
- الفن الروماني (1991).
- الفن البيزنطي (1992).
- فنون العصور الوسطى (1992).
- التصوير المغولي الإسلامي في الهند (1995).
- الزمن ونشيد النغم: من نشيد أبوللو إلى
تورانجاليلا (1980).
- القيم الجمالية في العمارة الإسلامية (1981).
- الإغريق بين الأسطورة والإبداع (1978).
- ميكلانجو (1980).
- فن الواسطي من خلال مقامات الحريري ( 1999).
الترجمة:
ترجم الدكتور ثروت عكاشة كتبا كثيرة نذكر منها:
- أعمال للشاعر أوفيد.
- أعمال لجبران خليل جبران.
- المسرح المصري القديم، لا تيني دريونون (1967).
- مولع بفاجنر، لبرناردشو (1965).
- العودة إلى الإيمان، لهنري نك (1950).
- السيد آدم، لبان فرانك (1948).
- سروال القس، لثورن سميث (1952).
- الحرب الميكانيكية، للجنرال فولر (1942).
مؤلفات
ودراسات:
- مولع حذر بفاجنر (1975).
- إنسان العصر يتوج رمسيس (1971).
- إعصار من الشرق أوجنكيزخان (1952).
- مصر في عيون الغرباء (1984).
- مذكراتي في السياسة والثقافة (1988).
- سلسلة محاضرات ألقيت بالكوليج دي فرانس عام
1973.
هذا بالإضافة إلى بعض المؤلفات ومجموعة من الأبحاث
بالفرنسية والإنجليزية.
أهم الإنجازات الثقافية والحضارية:
- مشروع إنقاذ آثار النوبة ومعبد أبي سمبل ومعبد
فيلة.
- معاهد الباليه والكونسرفتوار والسينما والنقد
الفني، ثم ضمت هذه المعاهد في أكاديمية الفنون.
- دار الكتب والوثائق الجديدة.
- قصور الثقافة.
- فريق باليه أوبرا القاهرة.
- عروض الصوت والضوء في الأهرام والقلعة والكرنك
ومتحف مراكب الشمس.
الجوائز والأوسمة:
- الجائزة الأولى في مسابقة القوات المسلحة
(1950).
- وسام الفنون والآداب الفرنسي (1968).
- وسام لوجيون دونير (جوقة الشرق) الفرنسي بدرجة
كاموندور (1968).
- الميدالية الفضية لليونيسكو تتويجا لإنقاذ معبد
أبي سمبل وآثار النوبة (1968).
- الميدالية الذهبية لليونيسكو لجهوده من أجل
إنقاذ معابد فيلة وآثار النوبة (1968).
- جائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس
الاعلى للثقافة (1987).
- دكتوراه فخرية في العلوم الإنسانية من الجامعة
الأمريكية في القاهرة (1995).
- جائزة مبارك في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة
(2002).
- جائزة العويس للإنجاز الثقافي والعلمي (2005).
نشاطه العسكري
نشأ ثروت عكاشة في بيئة عسكرية، فقد كان والده
ضابطا في الجيش، ثم مديرا لسلاح الحدود حتى تقاعده
برتبة لواء، كما كان جده لوالدته أيضا ضابطا في
الجيش وتقاعد برتبة أميرالاي.
تخرج في الكلية الحربية في 5 أبريل، والتحق عام
1945 بالدورة التاسعة في كلية أركان الحرب حيث
توثقت صلاته بزميليه في الكلية جمال عبدالناصر
وعبدالحكيم عامر، ونمت بينهم صداقة حميمة.
شغل بعد تخرجه منصب ضابط المخابرات في القيادة
العامة للقوات ا لمصرية في فلسطين، ثم عين في
إدارة التدريب الحربي في رئاسة الأركان، وكان
مسؤولا عن كل ما يخص تدريب سلاح الفرسان
(المدرعات) في ذلك الوقت.
انضم في عام 1948 إلى جماعة ( الضباط الأحرار)
وأسهم بدور مهم وتاريخي في ثورة 1952، فقد كان
لسلاح الفرسان الدور الأساسي في نجاح الثورة.
وبعد أسابيع من نجاح حركة الضباط الأحرار، عرض
عليه عبدالناصر أن ينضم عضوا إلى مجلس قيادة
الثورة ممثلا لسلاح الفرسان، لكنه اعتذر لأسباب
منها إيثاره لحسين الشافعي لعضوية مجلس قيادة
الثورة، فهو يرى أن الشافعي أقدم منه رتبة وكان
ممن شاركوا في الثورة مشاركة جادة وفعالة.
تولى في هذه الفترة، بالإضافة إلى مسؤولياته في
سلاح الفرسان، وبعد إصدار من عبدالناصر، المجلة
التي بدأت تصدرها القوات المسلحة باسمها وهي مجلة
>التحرير< التي أراد لها أن تلتزم بالنهج الوطني
المستقل، فلا تكون منبرا لليمين أو لليسار.
ونتيجة لخلافات داخل السلطة الجديدة، على السلطة
من جهة، على توجه مجلة التحرير من جهة أخرى، صدر
أمر بنقله إلى خارج مصر وعين ثروت عكاشة ملحقا
عسكريا في سويسرا ثم في فرنسا من بعد، وخلال هذه
السنوات التي قضاها ملحقا عسكريا (1953 - 1958)
أثبت العقيد أركان حرب ثروت عكاشة إيمانه الراسخ
بأهداف الثورة، وأن مجال العمل في خدمة هذه
الأهداف أوسع من أن يحدد بمكان بعينه أو وظيفة
بذاتها، فأدى واجبه بكفاءة عالية، وتمكن من توظيف
علاقاته المتشعبة لتحقيق هذه الأهداف، وتنفيذ
المهام التي أوكلت إليه بذكاء واقتدار. ولقد كان
حصوله على خطة العدوان الثلاثي ضد مصر بجميع
تفاصيلها ختاما رائعا للمرحلة العسكرية في حياته
التي كرس كل وقته وجهده خلالها لخدمة وطنه.
لقد أدى الأمانة بكل شجاعة وإخلاص وتفان، وخدم
بلاده وثورته بكل وفاء.
عكاشة وزير الثقافة
تكاد الآراء في مصر، كما في العالم العربي، تجمع
على أن من بين القرارات المهمة التي اتخذها
عبدالناصر أثناء حكمه، والتي مازالت مصر تجني
ثمارها الطيبة حتى الآن، اختياره ثروت عكاشة وزيرا
للثقافة.
كان ثروت عكاشة أول وزير للثقافة في مصر، تولى هذه
المسؤولية لفترتين تعتبران من أهم فترات النهضة
الثقافية، الفترة الأولى في عام 1958 إلى عام
1962، والثانية في عام 1966 حتى عام 1970، وفي
أثناء هاتين الفترتين استطاع الوزير عكاشة أن يحدث
تغييرا جذريا في المشهد الثقافي في مصر أدى إلى
نهضة ثقافية حقيقية سواء على المستوى الفكري أو
على مستوى البناء.
لقد كافح الوزير ثروت عكاشة من أجل توفير الشروط
الأساسية لأي نهضة ثقافية في البلاد وضمان
استمرارها.
لقد عمل أولا على أن تتمتع الثقافة بقدر كبير من
الحرية التي من دونها لا تكون نهضة، ولا يكون
إبداع.
وعمل ثانيا على نشر الثقافة بين فئات واسعة في
الشعب وتحويلها من ثقافة نخبة إلى ثقافة جماهيرية.
وعمل ثالثا على تشييد البنية الأساسية للثقافة
لقد استطاع الأدباء في عهده أن ينشروا روائعهم،
وأن يقدم أهل المسرح أعمالهم النقدية الجادة، بعد
أن كان لهم خير حام وخير مدافع.
وفي زمن وزارته أقيمت ( قصور الثقافة ) ووصلت
قوافلها إلى الريف المصري البعيد، وجرى تنفيذ
مشروع دار الكتب الجديدة، وفي زمن الخير هذا بدأت
نهضة واسعة في المسرح جمعت بين المسرح المصري
والعربي والعالمي، فضلا عن مسرح العرائس.
وأنشئت فرقة الفنون الشعبية، السيرك القومي،
والمعهد العالي للسينما، وأسست نقابة للمهن
التمثيلية والسينمائية.
وفي مجال الآثار، كان مشروع الصوت والضوء في
الأهرامات وقلعة صلاح الدين ومعبد الكرنك بالأقصر،
والمشروع الضخم لإنقاذ 17 معبدا في النوبة، وغير
ذلك الكثير من المشاريع ذات العلاقة بالآثار.
واقتضى التأسيس العلمي للثقافة إنشاء ( أكاديمية
الفنون ) لتضم المعهد العالي للموسيقى. والمعهد
العالي للفنون المسرحية والمعهد العالي للسينما.
وخلاصة القول إن طموح الوزير عكاشة أن يصل بالنهضة
الثقافية إلى أبعد مدى، وألا يكتفي بالإنجازات
الآنية والسريعة، أو الإنجازات المحدودة الأهمية
والأثر.
موسوعة ( العين تسمع.. والأذن ترى )
يمتاز الدكتور ثروت عكاشة في كتاباته بحس لغوي
مرهف، ونظرة عميقة تستبطن وحدة الفنون المرئية
والمسموعة، وقد اتخذ من هذه الوحدة عنوانا جامعا
لسلسلة من كتبه هو >العين تسمع والأذن ترى< فجاءت
هذه السلسلة موسوعة للمعارف الفنية تغوص في تراث
الأمم القديمة والحديثة، جامعة في ثناياها المتعة
الفنية والفائدة العلمية.
تتعدد موضوعات الموسوعة وتتباعد، ولكنها مع ذلك
تبقى نموذجا للتوافق بين التاريخ والفن والعلم،
يبحث كل منها في مجال أشبه بالبحر في غناه
وامتداده، ويطوف كل منها حول الجمال بصوره
المختلفة.
يبدأ ثروت عكاشة موسوعته بالفن المصري القديم،
تصويرا ونحتا وعمارة، باعتباره الحلقة الأولى في
التاريخ الحضاري للبشرية القديمة.
ويخصص الحلقة الثانية من موسوعته للفن العراقي
القديم، فالحضارة البابلية السومرية من أعرق
الحضارات القديمة في هذه المنطقة، وهي تشارك
الحضارة المصرية في صياغة الفجر الأول للحضارة
الإنسانية.
ثم إنه حين ينتقل من العصور القديمة، بعد أن يتحدث
عن الفن السكندري والفن القبطي، إلى العصور
الإسلامية، لا يقتصر على العربية منها، بل يتناول
الإسهامات المهمة للفرس والأتراك.
وكان من الطبيعي لفنان ومؤرخ ذي نظرة إنسانية
شاملة، وهو يبحث في جذور الحضارة القديمة ألا ينسى
الإغريق، فالمشاركة اليونانية القديمة في الفلسفة
والشعر والمسرح كان لها وجهها التشكيلي الشامخ في
التصوير والنحت.
ثم يصل بنا إلى عصر النهضة الحافل بالمتغيرات،
والمتمثل للحضارات السابقة عليه، ليعود بنا ويخصص
للفن الروماني والبيزنطي والتصوير الإسلامي في
الهند مجلدات مستقلة مفصلا فيها خصوصياتها
الحضارية.
وقبل أن يشرف على نهاية موسوعته المتسامية يقدم
لنا دراسة عن >الزمن ونسيج النغم من نشيد أبوللو
إلى تورانجاليلا< و>القيم الجمالية في العمارة
الإسلامية< و>الإغريق بين الأسطورة والإبداع<. ثم
يختتم الموسوعة بدراسة تعبر عن ذائقته الفنية
فيكتب عن ميكال أنجلو ويحقق >فن الواسطي من خلال
مقامات الحريري< كما يحقق >معراج نامه< الأثر
الإسلامي الفريد.
وهكذا يقدم لنا د. ثروت عكاشة موسوعة في العربية
متخصصة في تاريخ الفنون توحد بين أجزائها رؤية
الفنان الفيلسوف وإيمانه بتلاقي الحضارات وبالحوار
فيما بينها.
في مجال الترجمة
للدكتور عكاشة إسهامات كبيرة في مجال الترجمة إلى
اللغة العربية، فقد ترجم أكثر من تسعة عشر عملا في
موضوعات فنية وأدبية وتاريخية متنوعة لعل أهمها
ترجمته لأعمال جبران خليل جبران التي عرف بها عند
القراء في الغرب وهي: النبي، حديقة النبي، يسوع
ابن الإنسان، رمل وزبد، وأرباب الأرض.
وأن يتصدى إنسان لكاتب مثل جبران، متميز في فكره
ونزعته الروحية وأسلوبه الرومانسي، وينتمي إلى
مرحلة كان لها سماتها الخاصة، ويترجم له أهم
أعماله، فإنها مهمة شاقة وعبء ثقيل ليس من السهل
النهوض به إن لم تتوافر الإرادة القوية، والأدوات
المعرفية من تعمق في اللغة وفي أساليب الترجمة
وفنونها، والذائقة الفنية العالية.
ولقد نهض الدكتور ثروت عكاشة بهذا العبء على خير
وجه، مانحا قلمه المرونة اللازمة ليدرك بلاغة النص
المترجم ويوائم بين لغته واللغة العربية، من دون
أن يعبث بأسلوب النص القديم وروح العصر الذي ينتمي
إليه، فوازن بين المرونة والأمانة، وقدم لنا هذا
التراث الجميل الذي سبق أن قدمه بأسلوب مختلف
أدباء كبار مثل الشاعر والمفكر ميخانيل نعيمة.
وتمتاز ترجمة الدكتور ثروت، مع التصرف اليسير الذي
قام به برقة التعبير، وشعرية الأسلوب، وحسن اختيار
المفردات لتماثل طبيعة النص الإنجليزي عند جبران،
مما يبعد عن القارئ الإحساس بأنه أمام نص مترجم أو
منقول من لغة إلى لغة.
|