قراءة في ظاهرة الحداثة: تعقيب عبده وازن على مداخلة الدكتور محمد عبدالمطلب

السيرة الذاتية للأستاذ :عبده وازن

لعل عنوان المحور الذي عالجه الدكتور محمد عبدالمطلب، وهو >تحولات اللغة في شعرية الحداثة< لم يخلُ من بعض الإشكال أو الغموض، مما دفع الباحث إلى تأويله بحسب فهمه إياه. فما هي >التحولات< التي طرأت على اللغة، وأي شعر حديث هو المقصود، لا سيما بعدما تعددت >فصول< الحداثة ومراحلها، حتى بات الكلام عن حداثة شعرية واحدة ضرباً من ضروب المستحيل؟ فالحداثة الأولى التي تجلّت في أربعينيات العراق تختلف تماماً عن الحداثة الثانية التي تجلّت عبر مجلة >شعر< وهي الحداثة الأشد ترسخاً، نظرياً وإبداعياً، علاوة طبعاً على حداثة الستينيات المصرية المتمثلة في نتاج صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل، وكذلك حداثة الستينيات العراقية. هذا إن لم نتوقف أمام مرحلة السبعينيات التي صنعت حداثتها الخاصة، سواء في بيروت أو القاهرة أو المنافي العربية في العواصم العالمية.

إذن كان لا بد من تحديد >الحداثة< التي قال بها الدكتور محمد عبدالمطلب ووصفها وتفنيد عناصرها وأسسها.

ونظراً إلى أن الورقة التي أقدمها تحمل صفة التعقيب على ورقة الدكتور عبدالمطلب، كان من الجدير أن أورد بضع ملاحظات لأنتقل من ثمّ إلى التوقف عند قصيدة النثر وحداثة مجلة >شعر< كنموذجين رئيسين لتحولات اللغة الشعرية. لكنني لم أسع إلى تخطي مفهوم التعقيب، وإن حاولت تكملة ورقة الدكتور عبدالمطلب. ومن الملاحظات:

1 - الركائز العامة التي يوردها الباحث لتحديد ملامح الهوية الإبداعية للشعرية العربية ذات طابع عام، وتمكن قراءة أي شعرية عالمية من خلالها، وهي بحسب عبدالمطلب: الإيقاع الموسيقي، اللغة، التخييل، المعنى. هذه الركائز لا يمكن قصرها على الشعرية العربية، حتى وإن ارتكز الباحث خلالها على الكثير من المقولات النقدية العربية التراثية.

2 - يبدو الدكتور عبدالمطلب مأخوذاً بما يسميه >المدونة التراثية< فيما هو يعالج تحولات اللغة في الشعر الحديث. وقد ذكر من أسماء الأقدمين ما يفوق أسماء المحدثين، ومنهم: عبيد بن الأبرص، الجرجاني، قدامة بن جعفر، البحتري، المتنبي، الجاحظ، أبو تمام، امرؤ القيس، ابن رشيق وسواهم. وقد حضرت المراجع والمصادر القديمة لديه وطغت في حضورها على المراجع والمصادر الحديثة. ولا أدري كيف تمكن معالجة قصيدة النثر من دون العودة إلى مرجع أساسي وشامل في هذا الشأن هو كتاب الناقدة الفرنسية سوزان برنار >قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا<، وقد صدرت له ترجمة عربية في القاهرة. وهذا المرجع استند اليه أدونيس في مقالة له شهيرة في مجلة >شعر< عن قصيدة النثر سنة 1960، وكذلك الشاعر أنسي الحاج في مقدمته المدوية لديوانه الأول >لن< (1960). ناهيك عن المراجع الكثيرة والمقالات التي وضعها نقاد محدثون وشعراء حول قصيدة النثر، ومنهم محمد جمال باروت، وحاتم الصكر، وعلوي الهاشمي، وبول شاوول، ومحمد بنيس، وعباس بيضون، ومحمد الغزّي، وعبدالقادر الجنابي وسواهم.

3 - دمج الدكتور عبدالمطلب في أحيان كثيرة بين الحداثة وقصيدة النثر أي بين معطى نظري كامل ونوع شعري هو بمثابة جزء من كل. فالحداثة لا تعني قصيدة النثر فقط وقصيدة النثر لا تُقرأ من خلال الحداثة.

4 - قراءة الدكتور عبدالمطلب لمصطلح قصيدة النثر جاءت مجتزأة جداً وناقصة وخلواً من مقاربة هذه القصيدة وتوضيح عناصرها ومعاييرها. فهو مثلاً يصف قصيدة النثر من خلال تخليها عن الموسيقى الشعرية كأن يقول: >أسقطت قصيدة النثر الموسيقى العروضية نهائياً واعتمدت ركيزتين فقط هما: اللغة والتخييل<. ترى أليس كل الشعر - عمودياً كان أم تفعيلياً - يعتمد اللغة والتخييل؟ ويضيف قائلاً في الصفحة 9: >إن أكبر مغامرات شعرية الحداثة كانت مع الموسيقى العروضية حيث أهدرتها تماماً مع قصيدة النثر<.

حصر الدكتور عبدالمطلب إذن >شعرية< قصيدة النثر وخصوصيتها بإسقاطها الموسيقى العروضية، وهذا ملمح أول من ملامح قصيدة النثر وثورتها التحديثية. فقصيدة النثر - كما سنرى لاحقاً - هي أبعد وأعمق من أن تحدّ بإسقاطها الوزن العروضي. ويضيف الدكتور عبدالمطلب في هذا العدد: >يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن تغييب الإيقاع نهائياً يدفع بقصيدة النثر إلى النثرية الخالصة<. ترى ما تكون هذه النثرية الخالصة؟ وما المقصود بها؟ أهي النثر الفني أم النثر الروائي والقصصي؟ ثم يتهم قصيدة النثر بابتعادها عن >الصفاء اللغوي<؟ ولكن ما هو الصفاء اللغوي الذي يقصده هنا؟ هل قصيدة النثر عاجزة عن تحقيق الصفاء اللغوي؟ هل قرأ الدكتور عبدالمطلب قصائد >الصمت< النثرية التي تبلغ أوج الصفاء اللغوي سواء في شعرنا العربي الجديد أم في الشعر الأجنبي؟

ويعتبر الدكتور عبدالمطلب أن قصيدة النثر >كانت تقنية أدبية في إطار تقنيات العولمة<. وهذا الاعتبار يثير التساؤل حقاً: أولاً هل قصيدة النثر هي تقنية أم أنها تملك تقنية معينة، وهنا فرق عظيم بين المقولتين؟ ثم ما علاقة قصيدة النثر بالعولمة؟ فمن المعروف أن قصيدة النثر انطلقت سنة 1860 في فرنسا، وتبلورت قبل أن يشرق عصر العولمة. أما عربياً فيمكن تلمّس جذور هذه القصيدة في الأعمال النثرية لبعض المتصوّفة من أمثال النفري وابن عربي والجنيد والبسطامي والسهروردي، ولاحقاً لدى جبران، وأمين الريحاني في مطلع عصر النهضة. أين قصيدة النثر من العولمة التي لم يمض على ذيوعها أكثر من خمسة عشر عاماً؟

وقد يكون الدكتور عبدالمطلب محقاً في الأخذ على قصيدة النثر >كثرة نماذجها الرديئة<، و >الانغلاق<، و >العشوائية<، ولكن يجب عدم تعميم هذه المآخذ على >قصيدة النثر< ككل. فمثلما عرفت القصيدة العمودية الكثير من النظم المسفّ والرتيب والقصيدة التفعيلية الكثير من الركاكة، والتكلّف عرفت >قصيدة النثر< أيضاً نتاجاً ضعيفاً. وهذا لا يعود إلى طبيعتها ونوعها، بل إلى ضعف الشعراء أنفسهم، مثلهم مثل الكثر من الشعراء الكلاسيكيين والتفعيليين النظاميين.

5 - يذكر الدكتور عبدالمطلب >الشعر المرسل< واصفاً إياه بالشعر >الذي غابت فيه وحدة القافية< (ص 11)، دامجاً بين الشعر التفعيلي الذي سمّي بالعربية خطأ بالشعر الحر، والشعر المرسل أو المنسرح، الذي يخلو من الوزن، ولكن ليس من القافية في بعض الأحيان. وأفضل مثل لهذا الشعر ما كتبه أمين الريحاني في ديوانه >هتاف الأودية<. ويتحدث أيضاً عن الخطاب الصوفي من غير أن يحدده ويستنبط أثره في الشعر الحديث، ثم يربطه بـ >خطابات السحر والشعوذة والفلك<. وهذا كلام مبهم وغير دقيق. ثم يقول: >إن الشعرية أصبحت شعرية الكتابة - بمفهوم بارت - لا شعرية الإنشاد بالمفهوم التراثي<. ولا أدري إن كان رولان بارت يقصد بالشعرية هنا الفعل الشعري، أم الفعل النقدي، فكلمة الشعرية أوPOETIQUE  تعني المفهومين معاً وتعني لدى النقاد البنيويين الدراسة الداخلية للنص. ثم مَن قال إن شعرية الكتابة، إن سلّمنا بها، لا تحتمل الإنشاد في مفهومه التراثي؟ هل قرأ باحثنا مثلاً >مجنون إلسا< العمل الإنشادي - الملحمي للشاعر لويس آراغون، وقد ارتكز فيه على قصة ليلى والمجنون؟ هل قرأ القصيدة الإنشادية >الرسولة بشعرها الطويل...< للشاعر أنسي الحاج؟ هل قرأ >مزامير< محمود درويش؟ هل قرأ >الجواشن< النص الملحمي لقاسم حداد وأمين صالح؟

ثمة ملاحظات أخرى ترتبط بكيفية قراءة الدكتور عبدالمطلب لمفهوم الحداثة التي ظلّت مقولة مبهمة في مداخلته النقدية، لا سيما عبر خلو هذه المداخلة من المراجع النقدية >الحداثية<. إلا أنني سأحاول أن أكمل ما بدأه مركزاً على نموذجين: قصيدة النثر وحداثة مجلة >شعر<.

في قصيدة النثر

السجال حول >شرعية< قصيدة النثر لم ينتهِ في عالمنا العربي، على رغم مرور أكثر من مئة سنة على انطلاقتها العالمية. ولو كان السجال العربي المستعاد الآن سجالاً نقدياً ومعرفياً لكان من الممكن أن يؤتي ثماره، لكنّه كعادته لم يتخطَّ طابع الاتهام، وطابع الحكم الجاهز والمسبق. واللافت أن بعض الشعراء >التفعيليين< يكتشفون من حين إلى حين، أن قصيدة النثر استطاعت أن تجتاح معظم النتاج الشعري الجديد، فيستعر غضبهم، ويصبّون نار >حقدهم< عليها وعلى شعرائها من غير مبرّر ولا ذريعة.

وفي كل مرّة يعلن هؤلاء معركتهم يستعيدون معجمهم نفسه كي لا أقول التهم التي يطلقونها جزافاً، وقد أضحت باطلة كل البطلان، ومجحفة لا بحقّ قصيدة النثر وإنّما بحقّهم هم وحقّ نتاجهم. فقصيدة النثر العربية والعالمية ما عادت تحتاج إلى مَن يشهد لها ويعترف بها وبخاصة بعدما ترسّخت نظرياً ونقدياً، وشهدت مراحل من التطوّر التقني والأسلوبي. وفيما يمعن شعراؤنا >التفعيليون< في التهجم على قصيدة النثر وفي السخرية منها، ومن شعرائها، يتخطّى السجال الشعري في الغرب هذه القضية منصرفاً إلى ما بعد قصيدة النثر وما بعد الحداثة الشعرية. والكلام في الغرب أصلاً عن شعريّة قصيدة النثر وعن شرعيّتها انتهى قبل نحو مئة عام وأكثر، وبات الشاعر حرّاً في اختيار النوع الشعري الذي يشاء والذي يلائم تجربته وهمومه. ولا يستغرب القراء إن أقبل أحد شعراء قصيدة النثر على كتابة قصيدة موزونة أو العكس، فالشعر لم يعد محصوراً ضمن المواصفات التاريخية الجاهزة، وضمن التصنيفات الخارجية التي لا تنفذ إلى جوهر الصنيع الشعري. وشعراء كبار من طراز سان جون بيرس ورينه شار وإيف بونفوا وسواهم لم يُسألوا يوماً في فرنسا لماذا كتبوا قصيدة نثر، ولم يكتبوا قصيدة موزونة. وكذلك الشعراء في أمريكا وإيطاليا وألمانيا وسواها لم تُوجّه إليهم أيُّ تهمة، لكونهم اختاروا قصيدة النثر نوعاً من الأنواع الشعرية. أما شعراء الوزن المعاصرون في الغرب فلم يُوجّه إليهم بدورهم أيّ اتهام بالرجعية أو التقليدية.

في بدايات القرن الراهن لم يحس الشاعر الأمريكي ولت ويتمان أي حرج حين نادى بإيقاع الجملة كبديل من إيقاع الأوزان والقوافي، فهو لم ينفِ الشعر الموزون والمقفّى ولم ينكره ليحلّ محلّه قصيدة النثر. وحين أسس بودلير النموذج الأول لقصيدة النثر الفرنسية لم يتخلّ عن الأوزان الفرنسية التقليدية، بل كتب النوعين معاً من دون أن ينحاز إلى نوع دون آخر. وكذلك رامبو لم يهجر نهائياً القصيدة الموزونة على رغم توغّله في غابات قصيدة النثر العذراء وفي مغاورها المجهولة. أما مالارميه الذي عرف بتشدّده الإيقاعي والموسيقي في الصنعة الشعرية اختتم تجربته العظيمة بقصيدة نثرية هي من أجمل قصائد النثر في العالم وأقصد قصيدة >رمية نرد<.

قصيدة النثر إذن هي صنو القصيدة الموزونة ذات نظام وبنية، وليست وليدة الفوضى والحطام، ويكفي أن نرجع إلى النظريات التي رسّخت هذه القصيدة لنتبيّن شروطها الصعبة وغير المستباحة. وحاولت الناقدة الفرنسية سوزان برنار أن تستخلص شروطاً أو معايير ثلاثة لقصيدة النثر تفتح المجال واسعاً للنقاش النظري، وهي: الإيجاز والكثافة والمجانية. والناقدة التي كانت سبّاقة في خوض هذا المجال لم تنكر >الفوضى المدمّرة< التي تفترضها قصيدة النثر لكنّها قرنتها بما سمّته >الفن المنظِّم< ووصفتها بـ >الفوضى المحرِّرة< التي تستوجبها مرحلة الضيق والاضطهاد، مرحلة الفردانية والعزلة. أما المجانية فينبغي تأويلها إيجابياً في معنى أن قصيدة النثر لا شاغل لها سوى نفسها فقط.

تُرى متى سيقتنع شعراء التفعيلة العرب بأن قصيدة النثر لم توجد ضدّهم ولا ضدّ قصيدتهم بل متى سيقتنعون بأن الشعر لا يُحدّ بالوزن والقافية ولا يُحصر ضمن معايير مسبقة وجاهزة؟ متى سيقتنع هؤلاء بأن موسيقى الألفاظ والمفردات هي في أهميّة موسيقى الأوزان والتفاعيل؟

ليس المطلوب من الشعراء المحافظين أن يتخلّوا عن أوزانهم الخليلية، ولا من شعراء القصيدة الحرة أن يتخلّوا عن تفاعيلهم، لكنّ المطلوب هو الاعتراف بحرّية الشاعر وحقّه في أن يعبّر وفق ما تمليه عليه تجربته وبحسب الإيقاع الذي يشاؤه والطريقة التي يريدها. فالإيقاع الشعري لم يعد مرهوناً بنظامه المغلق وزناً وتفاعيل، بل أضحى منفتحاً على إيقاع العصر نفسه، وعلى إيقاع الحياة التي لا تتوقّف لحظة عن سيرورتها. والشعر لم يبقَ بدوره محصوراً ضمن الصنيع الشعري واللغوي بل غزا الفنون كافة ليرقى بها إلى مصاف جوهره وطبيعته النقية. وإن عرفت الفنون الأخرى كيف تجعل من الشعر (كحالة وحدس) حافزاً على التطور والانفتاح والانصهار، فكيف تنغلق القصيدة على بنيتها الإيقاعية الجاهزة منصرفة عن أي بُعدٍ آخر، ومتخلّية عن فضاء الحرّية الذي يتيحه النثر حين يمسي شعراً صرفاً؟

وشعراء التفعيلة العرب الذين ما برحوا يهاجمون قصيدة النثر كلّما سنحت لهم الفرصة ينبغي لهم أن يحيوا عصرهم قليلاً وأن ينفتحوا على تحولاته لا ليتخلّوا عن قصيدتهم وإنّما ليتقّبلوا التجارب المعاصرة والحديثة. وحججهم التي يتذرّعون بها باتت واهيةً تماماً وما عادت تقنع أحداً وهي لم تتعدّ كونها مجرّد اتهامات عاجلة ومنفعلة. فقصيدة النثر أثبتت شرعيّتها ودخلت تاريخ الشعر العالمي ومن أوسع أبوابه وباتت جزءاً مهمّاً من تراث هذا الشعر.

لكنّها طبعاً لم تنفِ الأنواع الشعرية الأخرى ولا قصائد الوزن والتفعيلة، فهي وليدة الأنواع الشعرية كافّة، وسليلة المدارس الشعرية كافّة، وهي أولاً وأخيراً ثمرة الحرّية، حرية التعبير وحرية المعاناة وحرية التجربة.

والقصيدة المهمة تظل مهمة سواء أكانت قصيدة موزونة أم مفعّلة أم قصيدة نثر. والشعر الحقيقي يظلّ حقيقياً سواء انتمى إلى عروض الخليل أم إلى أفق النثر.

 مجلة >شعر<: الحداثة نصاً ورؤية

لا تزال مجلة >شعر< بعد نحو سبعة وأربعين عاماً على صدورها (1957)، حاضرة عبر المناخ الشعري الذي رسّخته وعبر القضايا التي أثارتها بجرأة وعمق. ولئن باتت هذه المجلة تنتمي إلى ماضي الحداثة الشعرية وذاكرتها، فهي ما برحت تحتل حيزاً كبيراً من السجال الشعري الراهن، لا كحركة طبعاً إنما كتجربة تأسيسية وكفضاء من الأسئلة المثيرة دوماً. فالمجلة التي جعلت من الشعر قضية أولى وأخيرة وأعادت النظر في الشعر العربي والثقافة العربية لم تكن مجرد منبر شعري التأم حوله شمل الشعراء المعاصرين بل كانت حركة بذاتها، حركة هدم وبناء، حركة تمرد وتأسيس. ولم تكن >شعر< مجلة يوسف الخال الشاعر بل كانت مجلة الشعراء الذين انتموا إليها وشاركوا في معاركها. صحيح أن يوسف الخال هو الذي أسسها ووجّه حركتها لكنه لم يستأثر بها ولم يفرض ظله عليها كما يفعل المؤسسون عادة. ولم تصدر ثلاثة أعداد من المجلة حتى حمل العدد الرابع اسم الشاعر أدونيس سكرتيراً للتحرير. ثم توالت أسماء شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج وفؤاد رفقه وسواهم في هيئة التحرير. وطوال إشرافه على المجلة لم يسعَ يوسف الخال إلى التأثير في توجهات رفاقه الذين يصغرونه سنوات من خلال أدائه دور >الأب< أو >البطريرك< كما سمي لاحقاً.

حين أصدر يوسف الخال العدد الأول من مجلته في العام 1957 لم يعمد إلى كتابة افتتاحية يعلن فيها أهداف مشروعه، لكنه اختار مقالة للشاعر الأمريكي المعاصر ارشيبولد ماكليش (توفي العام 1982) وجعلها بمثابة الافتتاحية الأولى. ولم يتضح سبب اختيار هذا الشاعر وخاصة أن المجلة لم تقدّم لاحقاً أي ترجمات من شعره ولم تكتب عنه أسوة ببعض الشعراء الامريكيين من مثل روبرت فروست وويتمان وسواهما. وربما اختار الخال مقالة ماكليش مقدمة للعدد الأول ليتبنى نظرة الشاعر الأمريكي إلى الشعر كأداة وحيدة للمعرفة، وكذلك موقفه السلبي من >الشعر السياسي<.

وردّ الخال عبر مقالة ماكليش مسبقاً على دعاة الالتزام الذين سوف يواجههم لاحقاً. ولم يُفصح العدد الأول عن هوية المجلة التي لم يسبقها بيان شعري يحدد أهدافها، وقد ضم العدد قصائد لشعراء من أجيال مختلفة (بدوي الجبل، سعدي يوسف، نازك الملائكة، فؤاد رفقه، ألبير أديب) وحمل ترجمات للشاعر إزرا باوند وسواه. غير أن يوسف الخال سرعان ما أعلن بعضاً من آرائه الثورية في محاضرة شهيرة ألقاها في >الندوة اللبنانية< غداة صدور العدد الأول وكانت بعنوان >مستقبل الشعر العربي في لبنان<. وفي تلك المحاضرة اعتبر الشاعر أن الشعر الراهن (آنذاك) ليس شعراً حديثاً إلا في المفهوم الزمني. فهو تقليدي نظراً إلى التراث العربي ومتخلّف قياساً إلى الشعر العالمي.

دعا يوسف الخال إلى تأسيس قصيدة طليعية تعبّر عن التجربة الحياتية التي يحياها الشاعر في جماع كيانه وإلى اعتماد الصور الحية بدل عناصر البلاغة القديمة وإلى تجديد التعابير والمفردات وتطوير الإيقاع وصقله على ضوء المضامين الجديدة. ولم يكتفِ الخال بـ >التنظير< للقصيدة الجديدة بل شرع يكتبها مستعيراً الصوت الاستشرافي والمعاناة الحضارية ومستوحياً التجربة الإنكلو - ساكسونية المتجلية في نتاج إزرا باوند وإليوت ومرتكزاً على الخلفية الفكرية التي تركتها فيه عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي.

لم تظهر الافتتاحية الأولى في مجلة >شعر< إلا بدءاً من العدد الرابع الذي كرّس انتماء إدونيس إلى المجلة. وكانت الافتتاحية هذه بمثابة البيان الشعري الأول الذي رسّخ الخال فيه منطلقات مشروعه الشعري قبل أن تصبح المجلة مجلة جماعية بُعيد انضمام بقية الشعراء إلى أسرة التحرير. وأصرّ الخال في افتتاحيته الأولى على منطلقاته التي كان أعلنها في محاضرته سابقاً والتي ستصبح >ثوابت< شبه نهائية يرددها الشاعر كلما تطرق إلى مشروعه التحديثي وينطلق منها في معاركه ومواجهاته. فالشعر كما فهمه الخال هو >تجربة شخصية كيانية فريدة< والتعبير عنها ينبغي أن يتحرر من أسر القوالب التقليدية الموروثة. التجربة هي الأصل وليس الشكل إلا فرعاً، و>التجربة الجديدة تفرض التعبير الحي الجديد< والتعبير الحي هو التفاعل مع روح العصر والبحث عن لغة متطورة.

لا شك في أن مجلة >شعر< كانت بمثابة الصدمة الأولى في تاريخ الشعر العربي. ولم تكن مواجهة شعرائها الحاسمة للشعر التقليدي والثقافة التقليدية إلا انفصالاً عن التاريخ بغية قراءته قراءة نقدية. وأدركت المجلة أهمية المرحلة التي انطلقت خلالها وهي مرحلة الستينيات التي سمّيت مرحلة >التحرّر< الشامل. فأعلنت ثورتها ضد كل ما ورثته كحركة من ثوابت ومسلّمات جامدة ومتحجّرة. وبدت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأسئلة والقضايا التي شغلت العصر وتقاذفت العالم العربي، ووجدت في تلك الأسئلة والقضايا حافزاً على التخطي والتجاوز وعلى الانطلاق نحو أفق كياني أعمق وأشمل. وفي بيروت نجحت مجلة >شعر< في خلق حركة ثقافية موازية للحركة الشعرية فانفتحت على حقول المسرح والرسم والموسيقى واستقطبت معظم الاتجاهات الثقافية والفكرية. وكان على بعض شعرائها أن يخوضوا عالم المسرح فكتبوا النصوص المسرحية (عصام محفوظ) وترجموا عيون النصوص العالمية (أنسي الحاج، إدونيس). وكان على يوسف الخال بدوره أن يؤسس >غاليري وان< لتكون منطلقاً للتجارب التشكيلية الطليعية الجديدة. لقد خلقت مجلة >شعر< في الستينيات حالة ثقافية مميزة لم تعرفها المراحل الأخرى.

معركة >شعر<

غير أن مجلة >شعر< لم تسلم من الحملات العدائية التي شنّها عليها المثقفون >العروبيون< و>الملتزمون< ودعاة الوحدة العربية والواقعية الاشتراكية تؤازرهم مجلة >الآداب< حيناً ومجلة >الثقافة الوطنية< حيناً آخر. وكان لا بد من أن تثير المواقف الثورية التي تبناها يوسف الخال ورفاقه حفيظة المثقفين العروبيين الذين وجدوا في مشروع مجلة >شعر< حركة مناقضة للمشروع العروبي والديموقراطي والملتزم والوطني الذي نادوا به. وكانت مجلتا >الآداب< لصاحبها الدكتور سهيل إدريس ومجلة >الثقافة الوطنية< للحزب الشيوعي اللبناني باشرتا قبل صدور >شعر< في >التنظير< للوظيفة السياسية والأيديولوجية التي على الشعر والأدب أن يتبنيّاها وللدور النضالي الذي ينبغي أن يؤدّياه ليُسهما في نهضة المجتمع والأمة في مرحلة هي من أشد المراحل اضطراباً واحتداماً. ولعل المعركة التي حصلت بين >الآداب< ومجلة >شعر< خير دليل على الاختلاف الذي قام بينهما كتيّارين أدبيين وفكريين. وكان على >الآداب< التي مثّلت التيار الوطني والعروبي المتجلي في الدعوة الناصرية أن تتهم حركة >شعر< بـ >الحلقة الانعزالية< التي ترى إلى لبنان كجزء من حضارة البحر المتوسط وليس كجزء من الحضارة العربية.

وبالغت >الآداب< في مقالة نشرتها العام 1961 (العدد الثاني) في اتهامها شعراء مجلة >شعر< باعتبارهم الثقافة العربية مرادفة للجهل والصحراء والبداوة. وراح الصراع بين المجلتين ينتحل طابعاً سياسياً وأيديولوجياً ليستحيل صراعاً بين التيار القومي العروبي والنزعة القومية السورية المرتكزة على فكر أنطون سعادة. ولم يتوان يوسف الخال وأدونيس عن المجاهرة بانتمائهما إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي طوال تلك الفترة وقبلها. لكن الخال ظل يصر على أن >شعر< لا تنتمي كمجلة إلى أي حزب عقائدي أو سياسي وأنها مجلة شعرية، وشعرية فحسب.

ثورة وثوابت

قبل أن تباشر مجلة >شعر< ثورتها الشعرية الجديدة كان قد سبقها سجال وخاصة في العراق حول الشعر الحر والشعر الحديث، وكان من رواد هذا السجال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهّاب البيّاتي وبلند الحيدري وسواهم. وجرى السجال حول أسبقية القصيدة التفعيلية وريادتها: هل سبقت الملائكة السيّاب في اعتماد قصيدة التفاعيل أم أن الحيدري هو السبّاق؟ وأحدث السجال ضجة في الأوساط الشعرية العربية كافة بصفته الخطوة التحديثية الأولى في الشعر العربي المعاصر. إلا أن يوسف الخال سرعان ما اعتبر تلك الثورة ثورة على شكل البيت وبنائه وليس على الموضوعات القديمة والأساليب القديمة. والشعر في نظر الخال لا يقتصر على الشكل، فالشكل على أهميته وضرورته لا ينجم إلا عن المضمون. والمضمون ينبغي أن ينبع من تجربة الشاعر وفرادة شخصيته وعلى الإنسان أن يكون >في وحدته أمام قدره< هو الموضوع الأول للشعر. وراح يوسف الخال يجعل من الشعر قضية القضايا فإذا هو رؤيا في الإنسان والوجود وإذا هو صنو الحياة يتطور بتطورها. وجعل كذلك من الشعر قضية مشتركة يخوضها الشعراء العرب على اختلاف مشاربهم وهمومهم وتترفع عن الانتماء السياسي بل ترقى به إلى مصاف الانتماء الكياني وإلى مرتبة الفعل الحرّ والخلاّق. وتمكنت مجلة >شعر< من خلق قيم فنية وفكرية وشعرية جديدة انطلاقاً من انفتاحها على الحضارة العالمية وعلى الثقافة العالمية والشعر العالمي. وغصّت أعدادها طوال سنواتها بأسماء لا تحصى من الشعراء العالميين المعاصرين والقدامى، وقد ترجمت قصائد لهم وقدّمتهم إلى القراء العرب بهدف محاورتهم ولو من بعيد، وبغية التفاعل مع نتاجهم وترسيخ الشعر العربي الحديث على الخريطة العالمية.

تبنّت مجلة >شعر< إذن بعض الثوابت النظرية وانطلقت منها ودأب يوسف الخال على التذكير بها من حين إلى آخر في افتتاحياته التي كانت أشبه بالبيانات الشعرية في أحيان. ولئن تبنى بعض شعراء المجلة هذه الثوابت وبخاصة إدونيس وفؤاد رفقه وسواهما من الذين التزموا نظام التفاعيل الجديد فإن شاعراً كأنسي الحاج لم يلتزمها بل بدا غير معنيّ بها بعدما مضى في خوض تجربته الخاصة في حقل قصيدة النثر. وكذلك بدا محمد الماغوط بعيداً كل البعد عن بعض ثوابت المجلة إذ راح يكتب شعره المنثور من غير أن يلجأ إلى أي نظرية شعرية أو نقدية. وهكذا خرج شوقي أبي شقرا بدوره عن نظام التفاعيل ليباشر في كتابة قصائده المشبعة بالرواء اللبناني والشمم القروي والفكاهة والطرافة والغرابة. ولن يتأخر إدونيس كثيراً عن اعتماد النثر وقصيدته من غير أن يتخلى عن قصيدة التفعيلة التي ما برح يواظب عليها.

جماعة ام افراد

أحدثت مجلة >شعر< بعد صدورها صدمة في الحياة الشعرية إذ اختارت طريق الثورة والتمرد والشك والرفض، وراحت تبحث عن قصيدة مختلفة في رؤيتها ورؤياها وفي موضوعاتها وأساليبها، وأعادت قراءة التراث على ضوء المعاصرة وكرّست الحرية جوهراً للعمل الشعري. غير أن مبادئها سرعان ما أصبحت (كما أشرنا) ثوابت شبه جامدة وشبه مطلقة بل أصبحت أقرب إلى المقاييس النظرية القائمة بذاتها خصوصاً بعدما راح شعراؤها خلال السنوات اللاحقة يتباعدون بعضهم عن بعض وراحت تجاربهم تختلف بعضها عن بعض. وفيما أمعن إدونيس في التنظير للحداثة قبل أن ينسحب من المجلة في العام 1963 كان عدد من الشعراء والكتّاب والنقّاد يمهّدون الطريق نقدياً ونظرياً للثورة الشعرية الحديثة. فإذا ماجد فخري يتحدث عن >الشعر الإنساني الوجودي< ورينيه حبشي عن >الميتافيزياء كحالة من حالات الشعر الاصفى< وإدونيس عن >الكائن الميتافيزيقي الذي يغوص إلى عمق الأعماق< وفؤاد رفقه عن >الفكرة الغيبيّة الكبرى< للقصيدة الحديثة ونديم نعيمة عن >الحياة< التي هي بحسبه >ألف الشعر وياؤه، قالبه ووزنه وقافيته<. أما بدر شاكر السيّاب فتمثل الشاعر الحديث في صورة القديس يوحنا وقد افترست عينيه رؤياه وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم.

لم يؤثر انسحاب إدونيس من المجلة في عامها السابع على حركتها ونشاطها فهي استمرت بعده على رغم الانقسام المضمر الذي شهدته قبيل انسحابه بين يوسف الخال وشوقي أبي شقرا من جهة وإدونيس وخالدة السعيد من جهة. ولم يكن لانسحاب إدونيس خلفية سياسية ولا إبداعية وكان بدأ يحس أن ظاهرته ما عادت قابلة للخـضوع للغطاء الجماعي، ولم يلبث أن أصدر بعد سنوات قليلة مجلة >مواقف< لتكون منبراً إدونيسياً بامتياز ولكن مفتوحاً أمام التجارب الجديدة والشابة. وقبيل انسحاب إدونيس كان بدأ جو من التململ يهيمن على المجلة. فالشعراء الذين خاضوا المعركة وانتصروا فيها شعروا بأن مهمتهم شارفت نهايتها لا كأفراد وإنما كجماعة. وواضح أن ما ساهم في نهوض المجلة هو المواجهة التي صادفتها والخصومة التي جابهتها والمعارك التي خاضتها على صعد مختلفة. وها هو أنسي الحاج يُعرب في افتتاحية العدد 27 (صيف 1963) عن >الحماسة التي خفتت< بعدما >ازداد الوعي<. فالحركة الشعرية انتقلت برأيه بعد شحنتها الأولى إلى مهمة التعميق وباتت أنضج وأشد مسؤولية. ويسأل الحاج في الافتتاحية اللافتة: >أصحيح أن ما ظنناه الكثير هو أقل من القليل وأن بيننا مَن فسدوا وفي وقت قصير وفي عزّ المعركة وصاروا أصناماً؟<. ويشجب الحاج التهمة الذاتية: تهمة الأمان والطمأنينة مصرّاً على أن شعراء المجلة ما برحوا يسكنون في >أحشاء الفاجع<. وكان جريئاً في نقض مقولة العمل الجماعي وكسر هالة الجماعة التي طُبِعت المجلة بها ومما قال: >نحن في الأخير، همّ كل واحد بمفرده. نحن هذا الشاعر وذاك وذلك ولسنا حركة، بمعنى أننا لسنا حزباً. وما ندعوه >شعراء< مجلة >شعر< هو من باب التبسيط ولا معنى شعرياً جدياً له. وكان على هذا الموقف الجريء والصريح أن يؤذن ببدء افتراق الجماعة التي أصبحت مجموعة شعراء وهي ربما هكذا كانت منذ انطلاقتها. فالشـعراء الذين اجتمعوا ضمن مشروع واحد لم يستطع مشروعهم أن يذيب خصائصهم في بوتقة واحدة ولا أن يزيل الملامح التي تميّزهم بعضهم عن بعض. ويوسف الخال لم يسعَ أصلاً إلى إنشاء حزب شعري ذي لون واحد ولا إلى الهيمنة على المجلة وشعرائها.

وبدءاً من صيف 1963 راحت تلوح في أفق المجلة ملامح أزمة ما. ولم تمضِ أشهر على افتتاحية أنسي الحاج العاصفة حتى كتب عصام محفوظ افتتاحية أخرى عن >الأزمة الشعرية العابرة< مستبقاً توقف المجلة عن الصدور بعد أشهر. وأدرك محفوظ جوهر الأزمة بدوره قائلاً: >لم نكن مدرسة ولا هيئة تبشير ولا مجموعة نزوات ولا عصبة أدب. كنا ضرورة وحقيقة<. ويعترف محفوظ: >ما بقي فينا حقاً هو تطرّفنا في التحدي مقدار ما تعب وخفت التحريض في الطرف الآخر. منّا من يئس على صعيد المجلة، ومنّا من بلغ يأسه حد التخلّي<. وصدر العدد الأخير من مجلة >شعر< (صيف وخريف 1964 - السنة الثامنة) حاملاً >البيان الختامي< وقصيدة وداعية من يوسف الخال في عنوان >الرفاق<. وفي البيان الشهير أعلن الخال اصطدام الحركة والمجلة بما سمّاه >جدار اللغة<. وكان على المجلة إما أن تخترق الجدار وإما أن تقع صريعة أمامه. أما جدار اللغة فيتمثل في نظر الخال في كونها لغة >تكتب ولا تحكى< وهذا ما جعل الأدب أكاديمياً ضعيف الصلة بالحياة. وفي بيانه أعرب الخال من دون إفصاح عن خيبته من اللغة الفصحى وعن عجزها عن مواصلة الثورة التي كان بدأ بها. وانطلاقاً من البيان باشر الخال تجربته اللغوية الجديدة أو >الولادة الثانية< كما أفاد عنوان كتابه الذي كان فاتحة عهده الجديد، عهد اللغة العربية الحديثة. إلا أن شعراء المجلة لم يسلكوا مسلك الخال اللغوي بل أصرّوا على اللغة الفصحى غير عابئين بأزمة ذلك >الجدار<. وبعضهم واصل خطّه الإبداعي مضيفاً إلى قديمه جديداً ساطعاً ومتجلّياً. وبدا واضحاً أن الأزمة كانت أزمة يوسف الخال نفسه. وحين أصدر كتابه >الولادة الثانية< في العام 1982 انقسم النقّاد حوله فأيّده البعض وأيّد دعوته، ورفضه البعض ونقض نظريته نقضاً علمياً. أما الشعار الذي أعلنه الخال آنذاك فكان: >اكتب كما تتكلم<. والخلل الذي اعترى ذاك الشعار كمن في عدم توطيد الشاعر نظريته توطيداً علمياً.

غير أن مجلة >شعر< لن تلبث أن تعود بعد قرابة ثلاث سنوات من الاحتجاب (شتاء/ ربيع 1967) ولكن في صيغة جديدة فلا رئيس تحرير وإنما هيئة تحرير فقط ومن ضمنها: يوسف الخال، فؤاد رفقه، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، عصام محفوظ وسواهم، وتبعاً لصدورها عن >دار النهار< اتسمت المجلة بما يشبه الطابع الصحافي في انفتاحها على أحداث المرحلة وفي اعتمادها بعض المقالات والمراسلات. ولكنها لم تتخلّ لحظة عن الهمّ الإبداعي والنقدي بل شرّعت صفحاتها للقصة والرواية والنصوص المسرحية. ولم تدم المجلة في صيغتها الثانية أكثر من ثلاث سنوات فتوقفت في خريف العام 1970 وحمل عددها الأخير الرقم الرابع والأربعين. وكانت هيئة المجلة طمحت في صيغتها الجديدة إلى التحرر من أسر التصنيف والمعايير والثوابت التي أنهكت الصيغة الأولى. وكتب أنسي الحاج افتتاحية >العودة< باسم >هيئة التحرير< داعياً إلى تخطي صنمية الشعر المعاصر بعدما بات يغلب عليه التوالد اللفظي والتجريب الشكلي الصرف والأصوات المستعارة. ودعا أيضاً إلى >التلاقي مع الشعر الآخر في العصر، الشعر الحيّ الذي لا يعيد خلق العالم حيث يعيش، على صورته ومثاله فحسب، بل يصير تفتحاً ويصير حرية ويصير خلاصاً<. وبدا الحاج جريئاً في مناداته بجسدية الشعر ولا شعريّته وبحرّيته وتمرّده على الأنماط السائدة، ومما قال: >أجمل جواب عن سؤال <ما هو الشعر؟ هو قولنا: لا نعرف. بل هو قولنا: لا نستطيع أن نعرف. فالطبيعة تتفجّر فينا ولا وقت لدينا لنجفّف الشعر تحت شمس الثقافة المجرّدة. نحن لسنا مثقفين، نحن جسديون. وإذا كنا وضعنا في الشعر فلأننا وضعنا أيضاً في الحب ووضعنا أيضاً في الحرية. والافتتاحية هذه كانت بمثابة البيان الجديد الذي استهلّ عهداً جديداً للمجلة، عهداً لا يسيطر فيه طابع الجماعة وإنما الطابع الفردي لعمل يسعى أن يكون جماعياً.

لا تزال مجلة >شعر< حاضرة وكأن السنوات التي مرّت على انطلاقتها لم تزدها إلا وهجاً. فآثارها ما برحت واضحة في نتاج الشعراء الذين خلفوها، وثورتها ما زالت مستمرة في التجارب الإبداعية الشابة التي تتجدد باستمرار. ولئن شاخت بعض ثوابتها ومنطلقاتها النظرية وبعض تجاربها الإبداعية فإن روحها كحركة ومناخ لا تزال تخيّم فوق خريطة الشعر العربي الراهن.