بحث تيارات ومدارس الشعر العربي الحديث بقلم: د. شربل داغر

السيرة الذاتية للباحث        د. شربل داغر

لا يسع الدارس في صورة بديهية أو ميسرة، الإقبال أو التعريف بتيارات ومدارس الشعر العربي الحديث، إذ إن في الإسراع ما يربك السبيل، أو يخطئ التعريف، عدا أن الخريطة ليست متوافرة، ولا السبل معبدة، في طريق أكيدة، فكيف العمل إذن؟

لو سأل الدارس شعراء عن مدارسهم وتياراتهم لحاروا في الجواب، أو تلعثموا بأقوال لا تفيد الكثير في بحث، وإنما في السجالات ربما. قد يتحدث البعض منهم عن السجال بين جماعة قصيدة التفعيلة، وجماعة >القصيدة بالنثر< (كما استحسن تسميتها نقلا أمينا لاسمها الفرنسي، ووصفا دقيقا لما هي عليه)، وهو سجال يفيد عن النوع الشعري، وعن الشكل البنائي، لا عن مدارس الشعر، ولا عن تياراته بالضرورة.

إلى هذا، قد لا يكون طرح السؤال موفقا في هذه الأيام، إذ يتنكب الباحثون في جاري هذه الأيام عن طرح الأسئلة الاجتماعية والأيديولوجية والنقدية على الشعر وغيره، فيما اختلف الأمر قبل عقدين وأكثر. ففي عهود احتدام السجال الأيديولوجي والحزبي غداة الاستقلالات العربية، أمكن الوقوع على دعاوى أيديولوجية صريحة في النقد والدرس، وعلى خطابات عن مذاهب وتيارات ومدارس، سواء في التشكيل أو في الشعر وغيرهما. إلا أن ما أوجب التمايز بين الشعراء والنقاد تعين خصوصا في لعبة المواقع والنفوذ الدائرة خارج الشعر، وإن تذرعت بالشعر في أحيان كثيرة، وهو ما قد يبلغ حدودا عالية إذ إن الدارس قد لا يتنبه إلى تبلور تيارات محلية، إذا جاز القول ذات لزوم في حمأة الصراع بين الأشكال الشعرية المختلفة، وأن ما نعايشه قد يكون أقل من مدرسة وأعلى من تجربة متكوكبة حول سبل كتابية، أو >مناخات< بعينها، أو حول شاعر. وهو ما يدعو، بالتالي، إلى قراءة فاحصة، متأنية، للقصائد نفسها، وحولها، قراءة تتبين إذن فضلا عن المذاهب والتيارات، سبل الكتابة الشعرية في ما تسعى إليه. فما العمل؟

1- مذاهب ضمن المثاقفة

يقرر أحد الأدباء >مسيو فانبير< (كما كتبته مي زيادة)، في مطالع العشرينيات من القرن العشرين كتابة مقال، لمجلة بلجيكية، عن حال الآداب العربية، في مسعى يتوخى الإحاطة بعد أن عرض لحال الآداب في غير بلد في العالم ، ولجهله بحال الأدب العربي، أرسل الكاتب فانبير إلى الدكتور طه حسين خطابا ضمنه عشرة أسئلة عن هذه الآداب، فنشر حسين الرسالة في جريدة >السياسة<، ودعا الأدباء إلى الجواب عنها، مي زيادة أجابت عن الأسئلة، وأقتطف منها بعض ما أجابته عن السؤال التالي:

>ما وجهة الشعر العربي الحديث، وماذا عمل فيه من المؤثرات؟

- (جواب مي زيادة): أما وجهته المعنوية فلم تبرز بوضوح حتى الآن.، وإني لا أرى غرضا مقررا يرمي إليه بمجموعه أو في قطر من الأقطار، إلا كونه سائرا مع الجيل الجديد من الشعراء إلى التحرر يوما فيوما من الأسلوب القديم والتعبير القديم والقيود الصناعية التي يتمشى عليها أنصار القديم آمنين.

أما المؤثرات، فأهمها الشعور بحاجة البلاد وآلامها (...)، ومؤثرات أخرى اكتسابية أتت عن طريق الدراسة والاطلاع على مبتكرات الغرب، فلفتت الشعراء إلى ما هو جدير بعنايتهم وأغانيهم، وشرحت لهم بعض ما يخالجهم، ودلتهم على كيفية الإفصاح عنه<.

تتحقق زيادة، بل تؤكد >تأثر< الشعراء في زمانها بما اكتسبوه في الدراسة والاطلاع، ووجدوا نماذج عنه في مبتكرات الغرب، ما دلهم بالتالي إلى كيفية الإفصاح الجديد، إذا جاز القول، إلا أن إجابتها عن السؤال السابع، ستوضح أكثر معالم >التأثير< هذا:

>هل ظهرت في الشعر العربي آثار للمذاهب الغربية الشعرية المختلفة؟ أهناك تشابه ولو قليلا بين هذه المذاهب الغربية، وبين مذاهب الشعر العربي، إن كانت هناك مذاهب للشعر العربي؟ لو أنك أردت أن تصف الشعر العربي الحديث على نحو ما يصف الغربيون شعرهم، فإلى أي مذهب من مذاهب الغربيين تضيف هذا الشعر؟

- (جواب مي زيادة): كلمة >مذاهب< ليست هنا واضحة على ما يلوح لي، فلا أعلم منها ماذا عنت الأقسام الأربعة التي اتفق الغربيون على جعلها أساسية في لغاتهم، وهي: الشعر الليركي أو الغنائي، والشعر الديدكتيكي أو التهذيبي، والدراماتيكي أي المفجع، والإيبكي أي القصصي الحماسي، أم تعني التطورات التي مرت بها هذه الأقســـام في المذهــــــب المدرســـي والرومنتيكــــي والرمــــــزي، وما ينشعب منها؟<.

وتعرض مي زيادة بعد ذلك معلومات تكشف عن اطلاعها الدقيق على المذاهب المختلفة، سواء في الشعر أو في التصوير الزيتي، وتخلص منها إلى تعيين ثلاث مدارس هي: >المدرسية (أو الكلاسيكية)، والرومنتيكية، والرمزية، وتتوصل إلى القول: >وجميع ما بين أيديــــنا من شعـــــر ونثــــر يا مسيو فانبير مزيج من هذه المدارس الثلاث.

فعندنا الشعراء الذين يهندسون ويبنون والشعر العربي ممتاز >بهندسته< (...).

وعندنا الرومنتيكيون أو الذين يصفون بعض الأشياء والخوالج، وقد تأثروا بالمذهب الغربي (...).

وعندنا الذين يرون الظواهر ولهؤلاء القلائل أنصار من النشء في الغالب. وهذه النزعة هي البادية بنوع خاص في شعر الرابطة القلمية، وفي بعض نثرها< (1).

وتنتهي مي زيادة، بعد ذلك إلى تأكيد وجود >نزعتين عامتين<، عملا بما قاله سلامة موسى: واحدة تنصر القديم وتنكر الجديد، وأخرى تقبل من الأدب القديم والروح القديم ما هي في حاجة إليه، وتعدو مع الحركة الحديثة.

تتحدث مي زيادة، نقلا عن سلامة موسى، عن نزعتين عامتين >القديم< و>الجديد<، مثلما تحدث قبلهما جرجي زيدان ولويس شيخو عن نزعتي >القديم<، و>العصري<، إلا أن هذا التقسيم لا يغيب، أو هو يبسط بالأحرى حقيقة النقلة هذه. فالحديث عن >الشعر العصري<، ظل متضمنا في تضاعيف >العصر< و>الأطوار<، وماحظي بمرتبة تصنيفية في التقويم التاريخي الأدبـــي، فيما لا تقوى زيادة على النظر إلى تاريخ الشعر، إلا من خلال >مذاهب< باتت هي التي تعين مادة الشعر في زمانها.

طبعا نحن نجد في متن الصحافة الأدبية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر أحاديث وتعريفات عن شعراء أوروبيين، إلا أن الأحاديث هذه تبقى تعريفية أولية لا تبلغ مصاف الحديث النقدي، مثلما نتحقق منه، في لبنان تخصيصا، لا سيما بعد دخول مناطقه المختلفة تحت الانتداب الفرنسي المباشر، وانتشار عدد من المذاهب الأدبية فيها (2). كما نجد في الصحافة هذه ترجمات شعرية، للامارتين ودو موسيه وغيرهما، إلا أنها لا تعلن عن ميلاد تيار محلي متأثر بها، ويبقى أثرها محدودا في مجال الشعر (لا في مجال الرواية، التي سارعت إلى التأثر والأخذ والتبيئة)، حتى عشرينيات القرن العشرين.

أما في المجلات الأدبية، في العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين، فإننا نجد مقالات ضافية عن المذاهب الأدبية، منها مقالات عن المدرسة الرمزية للدكتور بشر فارس: >في المذهب الرمزي< (مجلة >الرسالة<، العدد 251، 1938)، ولخليل هنداوي: >مذهب السمبوليسم أو الشعر الرمزي< (مجلة >الرسالة<، العدد 33، 1934)، ولعباس محمود العقاد: >المدرسة الرمزية< (مجلة >الكتاب<، القاهرة، يناير، 7491)، ولعبدالله عبدالدائم: >فلسفة الأدب الرمزي<، (مجلة الأديب< الجزء الثاني عشر من السنة الثالثة، 1944)، ولنقولا فياض: >الرمزية والشعر الرمزي< (مجلة >الأديب<، الأعداد: 7 و8 و9 و11،10، 1941) وغيرها.

والحديث عن انصراف الدارسين الأدبيين إلى النقد لا يخفي كون كتبهم مختلطة، ولا سيما عند الشعراء منهم، واشتملت في آن على أصناف مختلفة من الكتابة:

- الصنف التعريفي، كالحديث عن المذاهب الفنية في تعريفاتها وقضاياها ومسائلها وأعلامها.

- الصنف النقدي التطبيقي، إذا جاز القول، أي الوقوف على حال الشعر العربي في عدد من نماذجه.

- الصنف الدعاوي، بل السجالي أحيانا، ويعين انصراف الدارسين إلى الدفاع عن مذاهبهم، والترويج لها، والسجال مع خصومها.

- الصنف المقارن، وهو إجراء مقارنات مستديمة بين حال الشعر العربي والشعر الغربي.

هذا ما أتحقق منه منذ كتاب روحي الخالدي (1913)، >تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفكتور هوجو<: ينطلق الخالدي في هذا الكتاب من السؤال: كيف نجدد الأدب العربي، ونحرره من البلاغة اللفظية والتكلف؟ ولقد حمل جوابه الدعوة إلى اعتماد الرومانسية، التي يفهمها الخالدي باعتبارها أفقا لتجاوز أدب القواعد والمحسنات البديعية، وهي طريقة أزالت في الغرب، في حسابه >تلك الأساليب المعينة المحدودة التي من شأنها أن تمنع الشاعر من أن يتصرف فيها بفكره واختياره كما أنها أزالت عن السبك والإنشاء هاتيك العوائد الاستبدادية التي من خصائصها أن تصفي إلهامات الشاعر وترفع منها الغرابة< (3).

ويتوقف نقولا فياض منذ عام 8391، في كتابه >على المنبر< (الجزء الأول، دار المكشوف، بيروت)، عند عدد من >المذاهب< الشعرية الفرنسية المنتهية بـ >الإيزم<. ويسعى عبدالمسيح محفوظ في شكل إسقاطي وتعسفي، إلى إيجاد >الرمزية< في شعر الشريف الرضي، أي قبل بودلير ومالارميه وفيرلين ورامبو، فيما ينصرف أنطوان غطاس كرم في كتابه >الرمزية والأدب العربي الحديث<، الموضوع بين 1945 و1947، إلى دراسة الرمزية في قسمين: قسم نظري عن المذهب في نشأته ومفاهيمه وأعلامه، وقسم تطبيقي يدرس الرمزية في الكتابة العربية (بشر فارس وتوفيق الحكيم ويوسف غصوب وسعيد عقل وصلاح لبكي وأمين نخلة وعلي محمود طه وعمر أبو ريشة)، ويفيد كرم في كتابه أنه ينحو منحى >يختلف عن النهج المعتاد في النقد العربي منذ عصوره الأولى إلى يومنا، متخذين المقاييس الشعرية التي تولدت على أثر المفهوم الأدبي الرمزي في فرنسا< (4).

ويعرض إلياس أبو شبكة للمسألة عينها، الموازنة بين الشعر العربي والشعر الغربي، في عدد من المقالات، ولا سيما في كتابه >روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجـــــة<. ففي هــــذا الكتاب يقوم أبو شبكة، وإن في شكل عرضي سريع بتعيين منشأ عدد من المذاهب الأدبية في فرنسا، متوقفا عند صلات القربى والقطيعة بين المذهبين الرومانسي والرمزي، واجدا أن أعمال عدد من الشعراء العرب تنتسب إلى >المثال<، لا سيما في شعر محمد سامي البارودي وخليل الخوري وأحمد شوقي وخليل مطران وولي الدين يكن وشبلي الملاط، وبشارة الخوري، ونقولا فياض وغيرهم. ويعاين أبو شبكة معالم اتصال الشعراء العرب بهذه المذاهب، واجدا أن هذه الحركة لم تجد >أرضا خصبة في الشرق، إلا بعد مرور سنوات عديدة على خفوتها (في بلدانها الأصلية)، أي بعد انتشار الصحافة في الأقطار العربية< (5).

يعاين أبو شبكة إذن حــــال الانتقال مـــن الرومانســـــية إلى الرمزيــــة في أوساط الشعراء العرب، لا سيما اللبنانيين والمصريين منهم، بل حال الانتقال الخفيف والسريع بين مذاهب >الإيسم< كلها (كما يسميها)، من >كوبيسم< (تكعيبية)، و>رياليسم< (واقعية)، و>أمبريسيونيسم< (انطباعية)، و>فوتوريسيم< (مستقبلي)، و>سمبوليسم< (رمزي)، واجدا في التوله بـ >الإيسم< (أي اللاحق اللفظي الذي يعين المذاهب في صيغ الفرنسية)، مظهرا من مظاهر >السنوبيسم< (6). ويسخر أبو شبكة في كتابه من نقاد الشعر العربي كذلك الذين يسعون في المنحى التشبهي نفسه، إذ >يقيسون الأدب ويزينونه على نحو ما يفعل الغربيون الذين ضاعوا في مجاهل أوهامهم، فكل ناقد لا يحمل ميزانا وبيكارا لا يدرج في عداد المثقفين، وكل مقال لا يسند بالمكاييل والموازين لا يحظى باحترام المستنيرين من الأدباء والمتأدبين<. إلا أن كلامه لا يخفي انحيازه إلى المذهب الرومانسي، إذ >بقي التيار الأدبي جاريا مجراه الرومنطيقي حتى في أشد الأدباء تحمسا للنظريات الحديثة<، ولا يخفي كلامه كذلك دعوته إلى نشأة >أدب وطني مستوحى من الجو والتربة <(7).

تنصرف مساعي الخالدي وزيادة وفياض وأبي شبكة وغيرهم إلى تعيينات تطاول المذاهب في نشأتها وتعريفاتها، وتعاين كذلك مدى اتباع (أو عدم اتباع) الشعراء العرب هذا المذهب الأوروبي أو ذاك، أو مدى صلاحه، سواء عند زيادة أو أبي شبكة للشعر العربي في تجديداته. وقد زاد من الإقبال على الكتابة في هذا المجال تنافس يعود، على ما نظن، إلى وقوع التأثر بين الشعراء العرب بعد حصول وتعاقب المذهبين، الرومانسي والرمزي، في فرنسا، إذ عرف هؤلاء الشعراء المذهبين وفق الحركة نفسها، وهي حركة الاطلاع والدراسة، كما أسمتها زيادة، إلا أن عددا من هؤلاء الكتاب لم يعبأ بالمقتضيات >المدرسية< لكل مذهب، إذا جاز القول، أي بالدفاع >العصبوي< عنه بل تبين اشتمال الشعر العربي، كما لاحظت ذلك زيادة في أجوبتها الصحافية، على المذاهب كلها، وعند الشاعر الواحد أحيانا، وهذه التنافسات المذهبية، على رغم حدتها أحيانا، لم تتقيد بحدودها، بل تخطتها، إذ وجدنا كتابا يعاينون الشعر المتجدد، فلا يلحقونه، مثل ميخائيل نعيمة في كتاب >الغربال< بمذهب بعينه.

ولقد لخص نعيمة صراع الشعراء في زمانه بنزعتين، تقتربان بعض الشيء مما قالته زيادة نقلا عن سلامة موسى: ففي حسابه أن في الأدب العربي فكرتين تتصارعان: فكرة تحصر غاية الأدب في اللغة، وفكرة تحصر غاية اللغة في الأدب.

والشعر في نظره، بالتالي ليس صراعا مذهبيا، إذا جاز القول، بل يتعلق بتعريفات أخرى أشد إيغالا في تعيينات الشاعر الداخلية، كالتمايز الذي يراه بين تعريفات ترى إلى الشعر >من جهة تركيبه وتنسيق عباراته وقوافيه وأوزانه<، وبين تعريفات ترى إليه بوصفه >قوة حيوية، قوة مبدعة، قوة مندفعة دائما إلى الأمام< (8). وفي هذا التمايز صورة من صور أخرى نجدها في المتن النقدي بين الحربين، وتتحدث عن ضرورة التفريق بين >الصنعة< و>الحياة< (9).

هذا ما يمكن قوله كذلك عن طرق شعرية، باتت رائجة هي الأخرى، كتعريفات أبي شادي في >الشعر المرسل< (blank verse)، الذي لا يلتزم بروي واحد، وفي >الشعر الحر< (free verse)، الذي يمزج فيه البحور حسب مناسبات التأثير، وذلك منذ ديوانه >الشفق الباكي< في العام 1926. أو ما نجده في دعاوى شعرية مبتكرة، مثل دعوى الدكتور محمد مندور (>في الميزان الجديد<، 1944)، لـ >الشعر المهموس<، وهو الشعر القوي، إذ يهمس فتحس صوته خارجا من أعماق نفسه في نغمات حارة، أو في حديثه عن >الشعر المنثور<، بعد جرجي زيدان وأمين الريحاني.

سقنا آنفا أحاديث مختلفة في الشعر، تعود إلى العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، وتلتقي كلها في كونها تجتنب النسق >الزمني< في فرز الشعر، أو >التصنيف< (الحضاري) لوقائعه. وخلصنا من هذه الأحاديث إلى تبين نزوع فني، بل مدرسي، في فهم الشعر العربي، ينسب وقائع الشعر أو تغيراته إلى مذاهب وتيارات أدبية، على أنها هي التي توفر المناحي الترتيبية لتاريخ الشعر ولنقده أيضا. انتقلنا، إذن إلى النسق الفني (وعلامته وواسطته بروز خطاب نقدي له استقلاليته بين الخطابات الأدبية المختلفة)، وباتت التعيينات تنصرف إلى مفاهيم وطرق شعرية، مثل: الشعر >العصري<، و>المنثور<، و>الرومانسي<، و>الرمزي<، و>المطلق< و>المهموس<، و>المنسرح<، و>المرسل<، و>الحر< و>الجديد<، وغيرها مما هو منقول عن الآداب الأوروبية أو مبتدع في التسميات المحلية.

كان لنا أن ندرج هذه التسميات بعضها خلف بعض، من دون تمييز بينها، لأنها تخدم كلها النسق الفني الذي تحدثنا عنه، إلا أننا وجدنا ضرورة للتمييز بينها وبين تسمية أخرى، هي تسمية الشعر >الحديث<. صحيح أننا نجد صفة >الحديث< مستعملة في كتاب لويس شيخو عن >تاريخ الآداب العربية< (في 1910 و1924 و1926). وبعده في مقالة لعبدالرحمن شكري تعود إلى العام 1939، >رأيي في الشعر الحديث<، >المقتطف< مايو (1939)، إلا أن الصفة هذه تشترط تعيينات وتدقيقات بات يطلبها النقاد منذ خمسينيات القرن العشرين، هذا يصح في كتاب الدكتور إحسان عباس الصادر في منتصف الخمسينيات >عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث< دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، أو في مقالة أدونيس >محاولة في تعريف الشعر الحديث<، >مجلة شعر< (1957)، وهذا ما يوضحه تماما كلام الدكتور زكي نجيب محمود في مقالة تحمل عنوان >نظرة محايدة إلى قضية الشعر الحديث<، يقول في مستهلها: >المقصود بالشعر الحديث في هذه المقالة هو هذا الذي لا يزيد عمره على ستة عشر عاما (...)، ولقد أردت أن أسوق هذا التحديد في صدر المقالــــة حتى لا يختلط علينا الأمر، فلو أننا أطلقنا عبارة >الشعر الحديث<، أو >الشعر الجديد<، إطلاقا بغير تحديد، لسأل سائل بحق: لماذا قصرت الحديث على هذه الفترة الوجيزة، مع أن التجديد في الشعر قد بدأ منذ البارودي، فمن ذا يستطيع أن يؤرخ لشعرنا الحديث، ولا يبدأ القصة من هذه البداية التي جاءت بغير شك حدا فاصلا بين عهدين؟< (10).

يقيم محمود الفارق، إذن بين التجديد جاعلا من البارودي أوله، وبين تجديد آخر، إذا جاز القول، يعينه في نهاية الأربعينيات، على أنه الشعر >الحديث<. ويميز في مقالة أخرى >ما الجديد في الشعر الجديد؟<، في الكتاب نفسه، بين تسميتين أخريين: بين >الجديد<، ويرتبط بدلالة >زمنية<، إذ يشمل >سنة العرف ومن يخرج على تلك السنة على حد سواء<، أي التقليديين والخارجين عليهم في آن (11)، وبين >العصري< وهو >من شرب القيم السائدة في عصره دون أي عصر آخر< (12).

والدكتور غالي شكري وجد ضرورة هو الآخر بعد الدكتور محمود في الفصل الأول من كتابه >شعرنا الحديث... إلى أين؟<، (الطبعـة الأولـــى، 1967)، إلى التمييــــز بين >المعاصر< و>الحديــــث<: فـ >المعاصر< هو >الذي يؤرخ له بفترة زمنية قريبة إلينا<، فيما تحتاج تسمية >الحديث< إلى إيضاح أقوى: >لا بد من مقدمة، لأقول إن تسمية الحركة الحديثة في الشعر العربي بأنها حركة الشعر >الجديد<، أو >الحر<، أو >المنطلق< هي تسمية باعدت بينها وبين التوفيق مجموعة من التصورات الخاطئة عن الشعر الحديث (...)، ولكنني أعتقد أن هذه التسميات مجتمعة تحد من قيمة الحركة الحديثة في الشعر العربي، لأن ما طرأ عليه لم يكن مجرد تجديد أو تحرر أو انطلاق، بشكل عام (...)، فمما لا ريب فيه أن كل قديم كان جديدا في عصره، ولقد تحرر ذلك القديم الجديد في أيامه على صورة من الصور، وكانت جدته وتحرره تجسيدا لانطلاقة إلى آفاق أكثر رحابة وعمقا. إذن فثمة شيء آخر مختلف كيفيا، يميز الحركة الجديدة الحرة المنطلقة، التي ينبغي أن ندعوها فيما أرى بحركة الشعر الحديث، فالحداثة والمعاصرة متمايزتان، خاصة في النقد الأوروبي الحديث< (13).

مايعنيني الخلوص إليه هو أن التاريخ الشعري ما عاد ينصرف في أطره التصنيفية إلى معايير وفق الوفيات أو >العصور< و>الأطوار<، وإنما إلى حسابات فنية خالصة تنسب أعمال الشعراء إلى ترتيبات وتوضيبات أسلوبية، وهو ما تأكد في عقود ما بين الحربين. وهذا ما يمكن قوله في عدد من المساعي، التي قام بها شعراء أساسا في النصف الأول من القرن العشرين، مثل ميخائيل نعيمة في >الغربال< (المطبعة العصرية، 1923)، أو أمين الريحاني في >أنتم الشعراء<، (مطبعة الكشاف، 1933)، أو نقولا فياض في >على المنبر< (الجزء الأول، دار المكشـــوف، بيـــروت، 1938)، أو إليــــاس أبو شبكة في >روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة< (دار المكشوف، بيروت، 1943)، أو عباس محمود العقاد في >شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي< (مطبعة حجازي، القاهرة، 1937)، أو أبو شادي، أو مختار الوكيل وغيرهم.

وهو ما نتحقق منه كذلك في مساعي النقاد، ضمن المرحلة نفسها، عند طه حسين في عدد كبير من مقالاته النقدية، ومحمد مندور >في الميزان الجديد< (طبعة أولى، القاهرة، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1944)، وأنطون غطاس كرم في >الرمزية والأدب العربي الحديث< (دار الكشاف، بيروت، 1949)، وغيرهم، وهو ما يمكن تتبعه أيضا في ما نشرته المجـــلات الأدبيـــة كذلك، وسجالاتها في هذا المجال.

إلا أن ما يسترعي انتباهي النقدي في تتابع هذه الإصدارات يتصل أولا بنشأة متن نقدي، مستقل بالشعر أحيانا، ومختلط بغيره أحيانا أخرى، من دون أن تكون له صلة لا بمسعى >التراجم< (لويس شيخو، مثالا)، ولا بمسعى >التصنيف< الشعري والأدبي (جرجي زيدان، مثالا)، ويعود هذا الانفكاك إلى انصراف الدراسات الأدبية إلى مقاربات باتت مختلــــفة، لا تعنى فقــــط بقيد ثبــــوت الشعراء، ولا بنسبتهم إلى عصور أو أطوار تعينهم من خارجهم، وإنما تعنى أيضا بتتبع الشعر في ما يؤسسه و>يتناهبه<، إذا جاز القول، أي ضلوعه في لعبة التيارات الأدبية المختلفة. فما عاد الناقد معنيا بتجميع الشعراء في مجموعات وفياتهم أو بتوزيعهـــــم على أحوال التطور الجارية في المجتمــــع، وإنما راح يقترب منهم في ما يؤسسهم كجماعات فنــــية، أو مدارس أسلوبيــــة، على أن فيها >حقيقتهم< الشعرية.

2- الأيديولوجية والحداثة

تندرج هذه المساعي ضمن سياق التمثل الذي وسم المثاقفة العربية في تفاعلها وانفتاحها على غيرها من ثقافات وآداب وفنون، وهو ما يمكن تلمس علاماته في غير وجه وظاهرة ثقافية وأدبية وقيمية وسلوكية عربية. ولقد اتخذت من التشوف إلى مذاهب مقرة في التجربة الأوروبية والأمريكية مثالا لها. وهو ما ينحصر في حمولات واستخدامات شعرية، فنية في المقام الأول، فيما يعاين الدارس بروز تشوفات أخرى في عهد تال، إذ يجد في انطلاقة >الشعر الحديث<، على سبيل المثال، منشطات ومحفزات أيديولوجية صريحة، كما نتبين في هذه الحركة، منذ انطلاقتها شعراء حزبيين، يتوزعون بين أيديولوجيات ثلاث هي التالي:

- القومية السورية الاجتماعية، مع سعيد عقل ويوسف الخال، وأدونيس ونذير العظمة وخليل حاوي (قبل عروبيته اللاحقة) وغيرهم. كان لهذه الأيديولوجية دور تأسيسي ونافذ في الحركة الشعرية، خاصة أن المفكر أنطون سعادة أولى بخلاف غيره، الشأن الفكري، ولا سيما >نفخ الروح في الأساطير السورية< حسب تعبيره، دورا بارزا في عقيدته، خاصة أن الأساطير باتت الشاهد المتبقي عن حقيقة >سورية الطبيعية< - القديمة - التي يدعو إليها، وهو ما ألقاه بينا في الشأن الأسطوري الطاغي على نتاج هذه المجموعة من >قدموس< سعيد عقل، مرورا بـ >هيروديا< يوسف الخال، وصولا إلى >دليلة< أدونيس وغيرها (14).

- الماركسية في صيغها العربية المختلفة، مع بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي، وبلند الحيدري ومعين بسيسو (وغيرهم مثل محمود درويش وسميح القاسم لاحقا)، عرفت انتشارا سريعا في غالب البلدان العربية، وتمتعت بمواهب شعرية لامعة، عدا أنها حظيت في ذلك الوقت بنظرية قوية، ما كانت لمنافساتها، الأيديولوجيات ذات المنشأ المحلي، إذا جاز القول. انشغل هؤلاء الشعراء بقضايا اجتماعية ومحلية، منفتحين في آن على شواغل وأحداث عالمية، من كاسترو حتى الفيتنام، حتى أن بعضهم كان في بعض قصائده أشبه بالداعية لقضايا >السلام<، >الأسلحة والعصافير<، >جندي يحلم بالزنابق البيضاء<، في إطار >الحرب الباردة<.

- القومية العربية في صيغتيها الناصرية والبعثية، كانت أضعف الثلاث شعرا، على الرغم من نجاحاتها في تسلم مقاليد السلطة، فما عرفت في الشاعر العراقي شاذل طاقة، على الرغم من دوره الطليعي، ولا في بدايات أحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهما، ما يعوض عن انطلاقتها الضعيفة.

يمكنني أن أستكمل هذه الصورة في أكثر من حقبة تاريخية لاحقة، وفقا لتبدلات غير مجتمع عربي، ما يعزز هذه الوشائج القوية بين الحداثة والأيديولوجيات. وهو ما يمكن أن يشمل غيرها أيضا، مثل السوريالية التي كان لها فعالية، سواء في مصر أو لبنان أو العراق أو سورية خصوصا (15)، وإذا كانت التيارات الثلاثة المذكورة تراجعت بعض الشيء في نهاية الستينيات، فإن غيرها ما لبث أن تعزز مع ظهور >المقاومة الفلسطينية<، ومع التنامي السريع لأفكار اليسار في مجتمعات المغرب العربي، ثم في الخليج العربي، في السبعينيات، في الوقت الذي تنامت فيه بين لبنان والعراق وسورية أفكار >اليسار الجديد< وغيرها من الهامشية و>الجذرية< وخلافها.

لعلي أجد، منذ هذه السنوات المبكرة، في نمط >الضابط الحر< (النموذج الانقلابي)، أو >الرفيق< (النموذج الثوري) الصورة الأولى، بل التأسيسية لدور الشاعر الحديث وممارسته. أما في الكتابة، فقد تدبرت هذه الممارسات صورا وذرائع ثقافية استقت مصادرها من منابع متباينة: من >انحياز< المثقف البورجوازي الصغير لقضايا البروليتاريا والفلاحين و>عضوية< المثقف عند غرامشي، أو من >لزوم الالتزام< عند المثقف حسب سارتر، أو من المثقف >الرؤيوي< مع بودلير، أو >التقدمي< و>الطليعي<، المثقف المجند في أدبيات >الحرب الباردة<، كيف لا، ونحن نجد في أسباب جدالات المجلات مثل >الآداب<، و>شعر<، و>الطريق< وغيرها، حججا مستقاة، بل منتزعة من سياقاتها الأوروبية لتوظيفها في صراعات وجدالات طلبا للغلبة الفكرية المحلية وحسب. كيف لنا أن نفهم خارج هذا السياق عملية الجمع الطريف والغريب بين الدعوى القومية العربية من جهة، وألبير كامو وجان - بول سارتر من جهة ثانية، على صفحات مجلة >الآداب<: تم استعمال أدب الكاتبين الفرنسيين المناهضين للماركسية ودعاويهما ترجمة وذيوعا، بمنأى عن موقفهما من القضايا القومية (في الجزائر مع كامو، وفي فلسطين مع سارتر).

غير أن تتبع هذه الاستلهامات الأيديولوجية والحزبية في الشعر العربي الحديث لا يلبث أن يتحول، أو أن يتبدل في علاماته وقيمه وفعاليته خصوصا. فغير شاعرممن ذكرت لا يتعين في هذه الانتسابات تماما، سعيد عقل مثل صلاح لبكي تحولا من القومية السورية إلى القومية اللبنانية، وخليل حاوي من القومية السورية إلى القومية العربية، فيما تقلب أدونيس بين منابت أيديولوجية متعددة، وانتقل عبدالوهاب البياتي من الماركسية إلى خطاب صوفي صريح، وبات يتمنع محمود درويش عن تلاوة قصيدته الشهيرة: >سجل أنا عربي<.

3- التكثر والمباينة

إن هذه الانجذابات، إلى مذاهب فنية أو دعاوى أيديولوجية وحزبية تعني في وجه آخر من العملية ذاتها، تخلعات واهتزازات أصابت الشعر العربي، ليس في بنيته الناظمة له وحسب، وإنما في مرجعيته الثقافية والجمالية كذلك. وهو ما أجمله في خروج القصيدة من نظام >التمامية الواحدية<، أي من الاحتكام إلى نظام لا يرى إلى الشعر إلا في صورة واحدة، وتمامية، أي ناجزة وفق نظام موضوع سابق، فيما هو يعني تقيد القصيدة لا بمثال، بل بمقتضيات يوجبها النظام الثقافي والمتعالي في ضروراته الاجتماعية. يفيض المجال عن تتبع ودرس المقتضيات الاجتماعية التي أوجبت تنظيم الشعر، ولا سيما المدحي، في سلوكات وسياسات، ولا سيما منذ العهد الأموي، وقادت إلى تدبر أسس في الصنع الشعري، وفي تذوقه والحكم عليه، جعلت المتنبي، على سبيل المثال، يطلب في نوع من المفاوضات حول موقعه الشعري، عند المثول في حضرة سيف الدولة، الجلوس بدل الوقوف في حضرته، إلا أنه مثل نادر إذ بقي الشعر، حتى في الأنواع الأكثر بعدا عن اللزوم الاجتماعي في وضعها وتلقيها، مثل الغزل والرثاء، رهين مواضعات واتفاقات، يتباين النقاد في تفضيلها عند هذا أو ذاك، على أنها محل الحكم الوحيد للشعر. وإذا خرج بعضهم على هذا الإجماع الشعري، فإن خروجهم لا يعدو أن يكون خروجا >بديعيا<، أي يقوم على تدبر معالجات فنية، بلاغية، تقنية، جديدة مشبعة كذلك بتدبر القصيدة تدبرا يستند إلى التخييل أكثر من الاتباع والموافقة. ويفيض المجال، هنا كذلك عن معرفة ما إذا كانت القصيدة القديمة تتبع الضرورات التي أوجبها طلب الإجماع الشعري، الذي يستند إلى شروط المنافسة بين البلاطات، وبين النقاد، في دورتهم الموصولة التي تدبرت أسس المفاضلة، إذ جعلتها تنشأ في البيت الواحد، في الغرض الواحد، مما يمكن حسبانه والحكم عليه.

خرجت القصيدة من هذا النظام وباتت تبتدئ من الشاعر نفسه، بما يعرضه ويقدمه لغيره، بمن فيهم النقاد أنفسهم، والقراء كذلك. هذا أوجد قصيدة، بل قصائد متغيرة متخالفة يصعب التفاضل الشديد أو المحسوب بينها، وباتت القصيدة >عالما في حد ذاتها<، كونا مقيما في بنيتها المتخيلة. هذا ما أدخلها في التعدد والتنوع والتخالف والمغايرة والتكثر، أي ما أخرجها من الواحدية، ومن التمامية كذلك، إلى التباين والتكثر. هذا ما جعل القصيدة موصولة وقائمة على التغير الزمني، إذ إن ما يحسبه البعض من الشعراء والنقاد في باب التميز الفردي، بل >العبقري<، لدى هذا الشاعر أو ذاك، لا يعدو كونه التحقق الأمثل لعلاقة مفتوحة ومطلوبة مع الزمن، بوصفه منبت التغير والحدوث والتجدد والتفرد بالتالي.

هذه الصلة بالزمن تكفل القصيدة، إذ تجعل الشاعر قواما عليها، فتبتدئ القصيدة من ملكته، من تدبيراته، من كون النص صنيعا بين يديه. وهو بقدر ما يعين الخروج من >واحدية تمامية<، يعين >فرادنية قيد التبلور<، الواحد عينه اعتقادا ونظاما وقواعد، الذي يطلب من الشعر وغيره، أن يأتي موافقا لنظام من المتعاليات لا يستقيم إلا بالتمامية نفسها، أي بخلوصه من أي عطب أو تعدد أو تشوه يدخله من مجرد المغايرة، أو التباعد مع تمامية النظام الواحد.

ابتداء القصيدة من الشاعر، إذن ما يعني أنها باتت مثل القماشة للمصور، سطحا ماديا لا حاملا للتعبير وحسب، أي أن الشاعر لا يطلبها لقول ما يريد، وإنما بات يعرف كذلك أنها حاصل يتدبره بالعمل، أي بما يصرفه للألفاظ والسطور والمقاطع من معالجات وحلول ومصائر. وهو ما يجد صوره وهيئاته المادية واللفظية المتكثرة في التفعيلية الإيقاعية المتنوعة، أو في الخفاء المتباين للإيقاعية النحوية في >القصيدة بالنثر<. وهذه الحرية المكتسبة على حساب النظام يذهب بها الشاعر أبعد من ذلك، إذ ينطلق منها صوب التخييل، صوب مجهول التراكيب والدلالات، بل يمكن القول إن القصيدة الحديثة تكاد تعطل قدرة الإفصاح في اللغة، وتبلبل >صوابية< المعنى التي كانت للقصيدة القديمة. وهو خروج آخر من التمامية عينها، إذ إن الشاعر لم يعد يطلب الموافقة بين اللفظ وخارجه، إذا جاز القول، أي بين اللغة والواقع، وإنما يسعى إلى ما تقوله الألفاظ أبعد من مراميها الواعية أو المقصودة، صوب تخييل مفتوح على التكثير، وعلى تسرب المعنى، لا على تركزه.

هذا ما أوجب اجتماعية أخرى للقصيدة الحديثة، تقيمها في علاقات وتبعا لمواقع متغيرة، متعددة، بل متخالفة، وهي اجتماعية تتعين في قطاعي التعليم والصحافة خصوصا، إلا أنها تسعى إلى عقد صلات مع خارجها الاجتماعي، يمكن التدليل عليها في استهدافات الصوت الشعري من أقواله، أي ما تطلبه في خارجها. فهناك صوت شعري يطلب من القصيدة أن تكون >وحيا صادقا<، مثلما وصفها الشاعر المغربي محمد القري (1937)، أي استمداد الشعر من الموقع النافذ، ما يصل الشعر بمصدرين: قديم وطالب للتصدر باسم الشعر، وجديد وهو الاستمداد والتعيين في الحوارية الاجتماعية (وصفة الصدق هذه طلبها غير شاعر، مثل المغربي محمد بن العباس القباج الذي قال بدوره إن الشعر >صورة صادقة لخلجات نفس صاحبه<)، صوت يطلب التصدر على أنه موافق لغيره، وصادق في ما يعبر به عنهم، وهناك صوت شعري آخر يذهب وجهة أخرى في طلب التواصل، إذ يعلن مثل الشاعر المغربي محمد مختار السوسي: >لم لا أقول الشعر كيف أريد<، ما يؤسس القصيدة على قول فردي في منطلقه، والتحاور على أساس تعاقدي بين متكلم ومخاطب، لا بين خطيب - متصدر وقوم في حفل جمعي. وهناك صوت شعري ينأى بالقول الشعري إلى منابت ومناخات أخرى، بعيدة عن الحفل والتظاهرة، والغرفة الحميمة، طلبا لهواء التغير في الشارع، أو في المقهى >إذا طلبت التعيين<. وهناك صوت شعري يبتعد بالمعنى إلى صفحة الكتابة نفسها، إلى الصفحة الإلكترونية نفسها، طالبا منها أن تكون ماثلة وشفافة في آن، وفق علاقات معقدة بين التغييب والجلاء الإنسانيين، وهناك أصوات تغور، بل تخفي الينابيع التي تنهل منها.

أصوات تطلب الكلام العالي، وبعضها الصراخ، أو تطلب المساررة أو المكاشفة أو البوح أو التشكي المستغرق في لججه، أو تطلب إطلاق الكلام باتجاه أصوات خافية ... أصوات تنبئ بما هو أبعد من >التواصل<، كما تتحدث عنه بعض الدراسات، إذ تنشر المعنى مثلما تستعيده وفق مبان تخييلية باتت تحيد عن تمامية مطلوبة ومستهدفة بين القصيدة والنظام المتعالي والثقافي، وتحيد كذلك عن >صوابية< مطلوبة ومستهدفة بين القصيدة وخارجها.

هكذا باتت القصيدة تزيغ عن أن تكون مبنية وفق قواعد، وجعلت من صنعها الخاص، بل من لهوها، من عبثها بالنظام، غرضا للشعر. هكذا بات الشاعر لاعب نرد، وفق استعارة مالارميه، على أن القصيدة حجره الذي ينقلب على الصفحة بتدافعات اللاعب في الوجود نفسه.

 أخلص من هذا إلى القول بأن خريطة المذاهب والتيارات في الشعر العربي الحديث تبدلت وتباعدت عن أصولها الغربية، عدا أنها تندرج أكثر ضمن >التناص<، لا ضمن المثاقفة الحضارية والشعرية، مثلما كانت عليه في العهدين السابقين اللذين أشرت إليهما. هكذا بات لشعر >الهايكو< الياباني، أو لشعر يانيس ريتسوس اليوناني، أو لشعر >البياض< عند أندريه دو بوشيه الفرنسي، حضور وفاعلية أقوى تتعدى تأثير شعر بلد بكامله في الشعر العربي الحديث (16)، كما أن تتبع التأثيرات هذه بات يتطلب قراءة حاذقة، فطنة، صعبة سلفا، إذ قد تشمل شاعرا عربيا بعينه دون غيره، لا جماعة محلية، وقد تصيب شاعرا أجنبيا، لا ثقافته بالضرورة.

الهوامش

(1) ضمنت أجوبتها لاحقا في كتابها >بين الجزر والمد<، مطبعة الهلال، القاهرة، 1924.

(2) يعود انتشار المذاهب الفرنسية (الرومانسية، ومعها الرمزية)، حسب صلاح لبكي في >لبنان الشعر<، إلى عهد الانتداب في لبنان، وهو ما نجد جمعا له في شعر يوسف غصوب، وأديب مظهر (1928)، ويميز صلاح لبكي في الكتاب المذكور بين شعراء مخضرمين ظل شعرهم وفيا للمثل القديمة >فقل تأثرهم بمناهل الغرب ونظرياته<، وبين مخضرمين آخرين >غلب على شعرهم التأثر بنظريات الغرب وبالرومنطيقية على الأخص<، صلاح لبكي: >لبنان الشاعر<، في >المجموعة النثرية< الكاملة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1982، ص163.

أما في مصر، فلقد بادرت >المقتطف< في ثلاثينيات القرن العشرين إلى نشر قصائد رمزية من شعر بودلير وفرلين وفاليري، ترجمها بشر فارس وخليل هنداوي وعلي محمود طه. وقامت مجلة >الرسالة< في الفترة نفسها بنشر دراسات نقدية عن هذا التيار، تعود لطه حسين وزكي طليمات: يمكن العودة إلى كتاب محمد فتوح أحمد: >الرمز والرمزية في الشعر المعاصر<، دار المعارف، القاهرة، 1977، ص 172 - 177.

(3) روحي الخالدي: >تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفكتور هوجو<، (نشره المؤلف تباعا في مجلة >الهلال<، 2091، باسم مستعار: >المقدسي<)، ورد في مجلة >علامات< مارس، 1994، جدة، ص77.

(4) أنطوان غطاس كرم: ورد في كتاب هاشم ياغي: >النقد الأدبي الحديث في لبنان - 2<، >المدارس النقدية المعاصرة<، دار المعارف، القاهرة، 1968، ص189. ووجب ذكر كتاب درويش الجندي: >الرمزية في الأدب العربي<، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1958.

(5) إلياس أبو شبكة: >روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة<، الطبعة الأولى، 1945، عدنا إليه مطبوعا في المجموعة الكاملة، في النثر، المجلد الثاني، جمعه وقدم له، وليد نديم عبود، دار رواد النهضة ودار الأوديسه، جونية، الطبعة الأولى 8891، ص433.

(6) إلياس أبو شبكة: م. ن، ص350.

(7) إلياس أو شبكة: م. ن، الصفحة نفسها.

(8) ميخائيل نعيمة، >الغربال<، 1923، عدنا إلى الطبعة الخامسة عشرة، دار نوفل، بيروت، 1991، ص76.

(9) من هذه المقالات نذكر:

- خليل تقي الدين >أدب الصنعة وأدب الحياة<، مجلة >المكشوف<، السنة الثانية، العدد 45، 19 ابريل 1936.

- علي الزين: >العواطف المصطنعة< (مجلة الأمالي، بيروت، 1939)، ورد عليه حنا اسطفان بمقال عنوانه >العاطفة في الشعر الجديد<، ورد عليه الزين من جديد بمقال >ثم العواطف المصطنعة<، راجع المساجلة في >أوراق أديب<، دار الفكر، بيروت.

(10) زكي نجيب محمود >مع الشعراء<، دار الشروق، بيروت، الطبعة الثالثة، 1982، ص77.

(11) زكي نجيب محمود، م. ن. ص147.

(12) زكي نجيب محمود: م. ن. ص149.

(13) غالي شكري: >شعرنا الحديث.. إلى أين؟<، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، 1978، ص7.

إلا أن رواج تسمية >الحديث< لا يغيب عن بالنا وجود تسميات أخرى استمرت إلى جانبها في مدى الخمسينيات والستينيات، مثلما تشير إلى ذلك مقالة الشاعر صلاح عبدالصبور، أحد رواد هذا الشعر، في مجلة >المجلة< في العدد 59، 1961، وهي دراسة مطولة بعنوان: >الشعر الجديد، لماذا؟<، غير أن التنازع على التسميات هذه اختفى واستقر بعد ذلك على تسمية >الحديث<.

(14) يمكن العودة في صورة مزيدة إلى دراسة شربل داغر: >تواشجات الحداثة<، والأيديولوجيا، أدونيس وأنطون سعادة نموذجا، في العدد الخاص: >الأفق الأدونيسي< (1998)، الذي كرسته مجلة >فصول< المصرية للشاعر أدونيس.

(15) ولقد تتبع عصام محفوظ هذه المدرسة في البلدان المذكورة، في كتابه: >السوريالية وتفاعلاتها العربية<، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1987.

(16) تحرير فخري صالح: >المؤثرات الأجنبية في الشعر العربي المعاصر<، راجع خصوصا: دراسة فخري صالح: >يانيس ريتسوس في الشعر العربي المعاصر، ولادة قصيدة التفاصيل اليومية<، ص ص 143 - 160، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، (1995).