تعقيب الدكتور محمد مفتاح على بحث الشعر العربي الآن مسائل وملاحظات - للأستاذ عباس بيضون

السيرة الذاتية للدكتور : محمد مفتاح

يجب الاعتراف بأن بحث الأستاذ عباس بيضون بفقراته التسع قد طرح المسائل الرئيسية التي تجمع مكونات الشعر العربي المعاصر؛ سواء من حيث ارتباطه بالشعر العالمي، أو من حيث عوامل تطوره الداخلية والخارجية، أو من حيث كيفية تلقيه من الخاصة والعامة، وما نتج عن كيفية التلقي تلك من ردود أفعال إيجابية أو سلبية، أو من حيث علائقه بالفنون الأخرى مثل السينما والتشكيل والموسيقى.. أو من حيث ذكر الشخصيات المؤثرة المبدعة لهذا الشعر، وتقويم تأثير إبداعها..

لقد تعرض الباحث لكلِّ هذه القضايا برواية العالم الموسوعي المحيط بكل مكونات موضوعه وجزئياته، وبدراية المنظر العليم الخبير بما يروج في الساحة النقدية والتحليلية من نظريات ومناهج؛ وقد قدم كل هذا الإنجاز في أسلوب حَيّ ووثَّاب ذي سمات ثورية، لكن مع عدم التفريط في صياغة أحكام سديدة وصائبة نوافقه على أغلبها.

لهذا كله، فإن بحثه سيكون، بطبيعة الحال، مستندنا ومنطلقنا لتوضيح أهم المسائل فيه. وسنركز على المسائل الآتية: المسألة الصوتية الموسيقية، والمسألة البصرية، والمسألة الدلالية، والمسألة العمائية، ومسألة النصنصة، والمسألة التاريخية اتصالاً وانفصالاً، استمراراً أو قطيعة، ومسألة أبديّة الشعر.

1 - المسألة الصوتية الموسيقية

أشار الباحث إلى مسائل الشكل والإيقاع في عدة فقرات (ص 4)، وإلى نُضُوب الشعر، شعر التفعلة بعد التّسعينيات، وإلى عدم توقف الشعر العمودي (ص 10)، وإلى أن قصيدة النثر أَصْفى غناء وإيقاعاً: >قصيدة النثر سابقت قصيدة الوزن على شِعْرِيَّتِها، وكان رهانها بالطبع أن تكون أعلى شعرية من قصيدة التفعيلة< (ص 14). الباحث يلح، إذن، على المكون الموسيقي للشعر مهما كانت الطريقة التي تجلَّى فيها هذا الشعر؛ أكان على شاكلة الشعر العمودي أو شعر التفعلة، أو قصيدة النثر. وإذ كان هذا ما أقره الباحث، فما علينا نحن إلا أن نفصل القول في هذه المسألة.

يشاع، منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن، الحديث عن أدوات الإدراك البشري بالاعتماد على ما يسمى بالعلم المعرفي، بما فيه من علم الأعصاب، وعلم التَّشْريح، وعلم وظائف الأعضاء، وقد ركّزت هذه الأبحاث على الدماغ والذهن. وممّا توصلت إليه من نتائج أن هناك باحة خاصة بالموسيقى في يمين الدماغ، وبَاحة يُسْرَى خاصة باللغة: وهذا الاختلاف الموقعي يطرح عدة أسئلة على من يبحث في علاقة الموسيقى باللغة؛ منها هل هناك علاقة بين الباحَتَيْنِ؟ ما نوع هذه العلاقة؟ أهي قالِبِيّة أم تَرَاتُبِيّة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتجاوز طاقة الباحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ إلا أن قصور طاقته لا يمنعه من الاعتماد على نتائج أبحاث العلماء والأطباء، بل وبعض الفلاسفة، وبعض الأناسِيِّين.

نُقِل عن دَاروِين، منذ زمن طويل، أن للإنسان كفاية عروضية غِنائية سبقت اللغة وكانت مقدمة لها؛ ومن ثمة كان الغناء البدائي مقدمة للغة؛ ومثل هذا الرأي لبعض الباحثين المعاصرين في علاقة الموسيقى باللغة. وها هو بعض منهم يؤلف كتاباً في >الموسيقى والذهن<(1) خصص فصلاً منه للأصول والوظائف الجماعية >للموسيقى< أورد فيه آراء عديدة لباحثين في علوم مختلفة(2) تدعي أن الموسيقى أسبق من اللغة؛ إذ إن الابن يتأثر بصوت أمه في شدته ورخاوته، وحدّته ونعومته، ولونه.. وإذا لم تتأكد هذه الأسْبَقية، فإن اللغة الموسيقية، أو الشعر والعروض >سارا طوال التاريخ يداً في يد<(3). بيد أن الأمانة العلمية تقتضي أن ينبه إلى أن بعض الباحثين في الدماغ البشري يقرون بتمايز الموسيقى عن اللغة، مؤكدين أن >البنيات التجريبية والنظرية الناتجة عن دراسات على بعض الحيوانات، وعن علم النفس العصبي، وعن نظرية التطور المعاصرة، تُبَيِّنُ أن الموسيقى والخطاب ليسا شبه مجموعتين تتداخل إحداهما في أخراهما؛ وإذن فليسا جزءاً من النسق نفسه<(4).

يتبين مما سبق أن لا جدال في علاقة الموسيقى باللغة، وإنما الجدال في مدى الاتصال والانفصال بين الْبَاحَتَيْنِ أو القدرتين أو الملكتين؛ فمن ير استقلال القوالب/ الباحات يؤمن بالتباين، ومن يعتقد في الترتيب بينهما يسلم، ضرورة، بالاتصال. يستند دعاة الاستقلال إلى التجارب المخبرية التي تبين أن إصابة باحة الموسيقى بأذى لا تتأثر له باحة اللغة، وكذلك العكس، كما أن استقلال كل قدرة أو ملكة يستدعي سرعة الاستجابة؛ إنهما رأْيَان متقابلان؛ ومع تقابلهما فإننا سنقترح ما يوفق بينهما بِنَاءً على مسلمات أناسية ورياضية(5).

نَعْنِي بالمسلمة الأناسيّة أن الفكر البشري، منذ أن وجد، تأسس على مفهومي التشابه والاختلاف، أو الاتصال والانفصال(6). هكذا افْتُرِضَ أن العوالم المختلفة يتصل بعضها ببعض بالاستحالة؛ سواء أتعلق الأمر بالعناصر الأربعة، أو ما تولد عنها من عوالم المكوّنات. وأما المسلمة الرياضية فنقصد بها مفهوم الاتّصال كما ورد عند كانت، وپرس، ونظرية المجموعات كما هي لدى الرياضيين المحدثين والمعاصرين(7)؛ وفي ضوء هذا يمكن أن يوجد بين الْبَاحَتَيْنِ الأَقْصَيَيْنِ باحات وسطى مما يجعل كل الباحات سلسلة متصلة الحلقات، في كل واحدة منها عناصر من سابقتها، في باحة اللغة بعض الموسيقى، وفي الموسيقى بعض اللغة.

ما يجب التأكيد عليه أن الموسيقى فطرة بشرية، كما أن اللغة فطرة بشرية، وهما فطرتان تشتركان في خصائص، مثل النقرات والإيقاع، ونطاق النبر، أو الوقر، والوزن؛ وهذا الاشتراك لا يَنْفِي الاختلاف؛ وآية ذلك أن بعض الناس لهم مواهب قوية في الموسيقى، لكن لهم حبسة قوية في اللغة(8). إلا أن الفطرتين معاً تتأثران بالمحيط، بما فيه من حياة طبيعية وثقافية واجتماعية ودينية، كما يثبت ذلك تطور الموسيقى والشعر، بل طفراتهما وثوراتهما.

في ضوء هذا، فإن القارئ يجد اندماجاً عُضْوِيّاً بين الموسيقى والعروض لدى الإغريق كما يتجلّى ذلك في تراثهم العروضي والموسيقى. وقد أسسوا موسيقاهم وعروضهم على أوليات رياضية منطقية، هي نظرية النّسبة والتناسب العددي والهندسي والنغمي(9). وفيلسوف هذا الميدان فيتاغوراس(10).

تتأسّس الموسيقى العروضية الإغريقية على بنية ذات أقدام أربع تتحكم فيها القسمة الرباعية.

*  قدمان قصيرتان.

*  قدم أولى قصيرة وثانية طويلة.

*  قدم أولى طويلة، وثانية قصيرة.

*  قدمان طويلتان.

هذه هي النواة الموسيقية العروضية ثم تنمو إلى ثَمَانٍ إذا كانت الأقدام ثلاثية، فإلى سِتَّ عشرة إذا كانت رباعية... وهكذا إلى أربع وستين وأكثر.

ما ينبغي التنبيه إليه هو أن عامل الضَّرْبِ اثنان (2)؛ أي:

2 * 2 = 4

2 * 4 = 8

2 * 8 = 16

2 * 16 = 32

-  وأن هناك تقابلاً بين طرفين أقصيين تقع بينهما أوْساطٌ.

-  وأن الطرفين الوَسَطَيْنِ أو الأوساط تخضع لخواص القلب والإبدال والعكس والتحليل والتركيب.

-  وأن كل تركيب سمي باسم معين ذي قصد أو اعتباطي؛ ولعل أشهرها البحر المتألف من القدم الإِيَامبِيَّة (فعولن) التي يمكن أن تقترب من البحر الطويل في الشعر العربي، أو البحر المتكون من القدم التَّرْوِيشِيّة (فاعلن) التي تُستطاع أن تُضاهَى بِبَحْرِ البسيط.

وإذْ قرَّرْنا أن الموسيقى والعروض فطْرَتَان، فإنه يصير من غير المستغرب أن يتأسّس العروض العربي على أساس موسيقي بما تقتضيه الموسيقى من نسبة وتناسُب وخَوَاصّ وأعراض(11). وإذ إن تأسيس الخليل بن أحمد الرياضي المنطقي بقي مضمراً في العروض، فإنه واضح للأذهان والأعيان في معجم العين؛ إلا أن حازم القرطاجني يظهر ما كان خفياً عند الخليل فعبر بالرجلين عن السبب والوتد.

جرياً على القوانين الرياضية المنطقية، فإن الخليل بن أحمد استخرج التفعيلات الآتية:

-  وتد وسبب (فعولن)    فاعلن) سبب ووتد

-  وتد وسببان: (فعولاتن، مفاعيلن، مفاعلتن)        سببان ووتد: (فاعلاتن، مستفعلن، متفاعلن)

-  وتدان وسبب: (مفاعلاتن)       سبب ووتدان (متفاع لتن)

-  ثلاثة أوتاد وسبب: (فعولن مفاعلن)       ثلاثة أسباب ووتد: (مستفعلاتن)

تتكون هذه التَّفْعِلاَت من اثنتي عشرة: ثمانية أصلية، واثنتان مُسْتَخْلَصَتَانِ بالتركيب والتحليل، واثنتان قليلتان؛ وكل تَفْعِلَة تقابل أخرى، وكل تفعلة يمكن أن تبدل من أخرى، أو تتبادل معها المواقع؛ ومن يرجع إلى الشعر العربي، على الرغم من محافظته، يجده محكوماً بهذه الخواص.

إن هذه التفعيلات هي ما تكونت منها الأبحر السَّاذَجة أو البسيطة؛ وهي الْمُتَقارب والوافر والهزج والرمل والرجز والكامل والمتدارك. لكنها حينما تمتزج تكون بحوراً مركبة ناتجة عن الإبدال أو القلب أو العكس أو التحليل أو التركيب؛ وإذا ما تَبَنَّيْنَا مفهوم الاستحالة، فإن هذه التقابلات تفقد كثيراً من قوتها، ممّا يجعل بين كل البحور الممتزجة تشابُهاً واختلافاً. ولعل هذا ما يشرحه قول حازم: >فالتركيبات المتناسبات إنما تكون باقتران المتماثلات والمتضارعات؛ ولا يقع في اقتران المتضادات والمتنافرات تركيب متناسب أصلاً. وقد يكون الجزء مضاداً للآخر من وجه، مضارعاً له من وجه آخر، مثل فاعلن وفعولن، فإنهما، وإن تَضَادَّا من جهة الوضع، بأن قدم في أحدهما ما أخر في الآخر، فقد (كذا!) ضارع أحدهما صاحبه من جهة أن صدره مماثل لِعَجُزِهِ<(12). فاشتراك التفعلتين في جهة من الجهات، بصرف النظر عن جهة الوضع، تُصَيِّرُ كل التفعلات متضارعة بجهة من الجهات؛ وبهذا يصح اقتران المتضادات والمتنافرات لأنها حققت التناسب بجهة من الجهات. وفي ضوء هذا يجب فهم قول حازم: >ومن الأجزاء ما يتدافع ويتخالف نحو مَفَاعِيلُنْ مستفعلن<(13)؛ فهاتان التفعلتان، وإن تضادتا من جهة الوضع بأن قدم في إحداهما ما أخر في الأخرى، فإن إحداهما ضارعت صاحبتها من جهة أن صدر التفعلة الأولى ضارع عجز الثانية، وعجز الأولى ضارع صدر الثانية.

يؤكد هذا ما قدمناه من أن كل التفعلات العروضية إما أن تكون متماثلة كالبحور البسيطة أو الساذجة، أو متضارعة مثل الطويل والبسيط..؛ وإذ كان الأمر هكذا، فإن كل التفعِلات قابلة لأن تؤلف فيما بينها، ممّا يتحقق معه تناسبٌ بدرجات مختلفة، لكنه لن تكون هناك مُنَافَرَة مطلقة. وهذه نتيجة ضرورية متحصلة من خواص النسبة والتناسب؛ إلا أن المتن الشعري الذي استند إليه العروض العربي، وقوانين الموسيقى الشائعة حينئذ، فضلت بعض التوليفات على بعض. خواص التناسب تقتضي أن يقلب توليف: (فعولن مفاعيلن..) و(مستفعلن فاعلن...) إلى (مفاعيلن فعولن)، و(فاعلن مستفعلن)، إلا أن حازما لم يقبل هذا القلب مُحَكِّماً مبدأ الوضع أو الموقع: >لأن الجزء فيه ليس موضوعاً مما يلي الجزء الذي ضارعه من صاحبه<(14)، وَتُسَوِّغُ خواص التناسب أيضاً أن يصير: (مستفعلن مستفعلن فاعلن) إلى (فاعلن مستفعلن مستفعلن).. لكنه رأى هذا القلب غير متناسب، لأن المتشافعين أثقل من المفرد، لأن >قانونهم ألا يَضَعُوا الثقيل في النهايات<(15)، ولكن يُرْتَقَى من الأثقل إلى الأخف؛ وبناء على هذا القانون عدل تركيبة: (مستفعلن فاعلن مستفعلان) إلى: (مستفعلن فاعلاتن فاعلان).

يتبين من كل ما سبق أن التفعلة، سواءٌ أكانت خماسية أو سباعية أو ثمانية أو تُساعية، هي النواة التي تتفرع عنها موسيقى الشعر، سواء أكانت مكررة لنفسها أو ممتزجة مع غيرها؛ وعدد تلك التفعلات اثنتا عشرة؛ وهذا العدد من التفعلات مطابق لعدد النغمات الموسيقية التي كانت شائعة لعهد الخليل بن أحمد وبعده كما تعكس ذلك رسالة يحيى بن المنجم(16).

إن هذه التفعلة بعددها وبكيفيات تأليفها هي ما أحياه شعر التفعلة الحديث والمعاصر؛ قارئ هذا الشعر يجد فيه تفعلة (مستفلعن) التي قد تتحول إلى (فعولن، وفاعلن ومفعول)، و(فعولن)، و(مفاعلتن) و(متفاعلن)، و(فاعلاتن). وما يلاحظ لدى شاعر التفعلة هو المزج الطبيعي والاصطناعي بين التفعلات؛ يتجلى الأول في التفريع من تفعلة (مستفعلن) مثلاً، تفعيلات متضارعة، ومتشابهة.. والثاني في التمزيج بين نواة المتدارك والطويل والوافر والكامل والرجز والمجتث... داخل القافية الواحدة لدواع نفسانية وفنية.. (17)؛ هكذا صار بعض شعراء التفعلة يبتدئ بواحدة منها، ثم يأتي بِتفْعِلات أخرى إلى جانبها. وبهذا يكون شاعر التفعلة استند إلى الفطرة الموسيقية السليمة التي تجلَّتْ في بدايات الشعر العربي، وفي شعره المستند إلى الطبع قبل أن تسود نظرية نقاء البحور، ونظرية الزحافات والعِلَل. شعر التفعلة، إذن، وليد شرعي للتراث الشعري الموسيقي الفطري.

وإذ ما سلمنا بهذا الوضع؛ أي ارتباط الموسيقى واللغة في الشعر التقليدي وشعر التفعلة، فإن هذا التسليم سَارٍ في علاقة اللغة بالموسيقى إلى الآن وإلى أبد الآبدين. ومن دون مغالاة في جعل اللغة محكومة بقوانين الموسيقى، فإن هناك نظريات معاصرة تجعل القوانين الصِّوَاتية والصَّرفية والتركيبية و(الدلالية) مُصَفّاة بقوانين موسيقية عروضية؛ وسنكتفي بالإشارة إلى نظرية مكارثِي وپرنس وتلامذتهما، وإلى نظرية سلِكورَد ومدرستها.

تنطلق نظرية مكارثي وصحبه، التي تدعي بـ>الفرضية الصرفية العروضية<(18) من مسلمة أن الصرف العربي بصيغه يجب أن يعبر عنه في مصطلحات عروضية؛ هي: مورا (Mora) النَّقْرة، والمقطع، والقدم، والكلمة؛ النقرة هي وحد قياس وزن المقطع من حيث عددها وعلائقها بالزمان وبطول المقطع وقصره؛ والمقطع خفيف وثقيل؛ والكلمة تكون من مقطعين على الأقل.

ما يهمنا من هذه النظرية هو تطبيقها على صرف اللغة العربية؛ ومن خلال ما قام به هؤلاء اللسانيون من أبحاث، تَبَيَّن لهم أن صرف اللغة العربية تسود فيه الكلمات التي تتأسس على القدَمِ الإِيَامْبِية (أي البداية بمقطع قصير فطويل)، وأما القدم الترويشية: (البداية بمقطع طويل فقصير)، فهي قليلة الوجود. وقد اعتمد حُكْمُهُم على هذا، بناءً على دراسة بعض المعاجم الخاصة بالمفردات العربية؛ وإذ إن بعض الكلمات تحتوي على أكثر من مقطعين، كما هو الأمر في بعض الجموع وبعض الكلمات الدخيلة، فإن المواقع قد تتبادل المواضع، كما هو الشأن في كلمات القوافي: المتواترة، والمتداركة، والمتراكبة، والمتكاوسة.

وإذ إن هناك بعض ضروب الخلل في هذه النظرية، سنشير إليها بعد حين، فإن ما يعنينا، هنا هو أن البنية العروضية بكل عناصرها هو ما يُحَدِّدُ الصيغ الصرفية للكلمة العربية؛ فتجعلها سليمة جارية على السّليقة العربية، وعلى الغريزة الموسيقية المتجذرة في الذهنية البشرية؛ ومن هنا تقع الزيادة أو النَّقْص في بعض الكلمات الدّخيلة لتتلاءم مع الصِّيَغ الصرفية العربية، أو يُزادُ أو ينقص في الكلمات العربية كتابة أو نطقاً جرياً على قوانين الموسيقى وخضوعاً لها.

إن ما انتهت إليه مدرسة مكارثي من بعض النتائج ذو أهمية بالغة؛ منها كَثْرَةُ صيغة (فعولن)، وقلة صيغة (فاعلن)؛ وهذا ما تؤكده غَزَارَة ورود المتقارب وإضافة المتدارك؛ ومنها تبادل مواقع المقاطع؛ إذ يكون في الأول أو في الوسط أو في الأخير؛ وهذا ما يُلْقي مزيداً من الضوء على القافية الشعرية التقليدية، باعتبارها كلمة؛ إلا أن هناك غياباً أو إضماراً للأساس الرياضي المنطقي الذي أنْشِئَ عليه علم الموسيقى وعلم العروض؛ فقد ركّز على عنصر واحد هو الإِيَامْبِي من بين عناصر أربعة. إذ هناك القدم البِّيريكِيَّة المكوّنة من مقطعين قصيرين، وسَبُّونْدِي المكونة من قدمين طويلتين، وتروكي المؤلفة من مقطعين طويل وقصير.. كما أن نظرية التقليبات الرياضية والمنطقية غير واضحة لديه؛ إذ من الصعوبة أن يقبل منه بأن تفعلة (فاعلن) غير معروفة في صرف العربية، وبأن المقطعين إما طويل وإما قصير، إذ هناك مقطع وسط، بل الأدهى أن ما غاب عنه رياضياً منطقياً حضر تطبيقيّاً بجعله بعض الهياكل تتألف من مقطعين ثقيلين، أو من مقطعين خفيفين.

مهما كان الخلل في هذه النظرية، فإن ما يهمنا منها هو دعواها أن الهيكل الصرفي محكوم بهيكل عروضي، بما يحتوي عليه من نقرات وإيقاع ووزن، مما يسوغ إقحام بعض العناصر، أو حذفها احتراماً له وإرضاءً.

تلك ملامح من نظرية مكارثي ومدرسته، وهي تتداخل وتتفاعل مع نظرية سلِكورَد ومدرستها(19)؛ وكثير من أعمال هذه المدرسة تستوحي مفاهيمها من علم الموسيقى، إذ يجدها القارئ تتحدث عن المدرج العروضي، والشجرة العروضية، وعن النقرات، والنقرات الصامتة (كذا!)؛ ومن هنا اهتمت هذه النظرية بالوقف وبالزمن؛ مدّة الوقف تتوقف على عدد المواقع الصامتة ونوعها. ولهذا يمكن أن يكون هناك بطء في النطق، أو سرعة، أو توسط بينهما...

إن ما توصلت إليه هذه المدرسة من نتائج ذو أهمية أكيدة لدارسي الشعر الحديث والمعاصر؛ فهذا الشعر يحتوي على مقاطع من دون نقط أو فواصل أو قواطع، مما يحتم قراءتها بسرعة توحي بسرعة الزمن الواقعي وبتجاور لحظاته وتماسكها.. وعلى أنواع من البياض تختلف طولاً وقصراً، ممّا ينتج عنه ضروب من الوقف..؛ وإذ إن الموسيقى تتألف من الصوت والصمت، فإن اللغة تحتوي على الصوت والوقف؛ فهناك، إذن، صلات وثيقة بين الموسيقى واللغة.

وإذا استعانت هذه المدرسة بعلم الموسيقى لدراسة موسيقى اللغة، فإن ما يلاحظ لديها هو عدم الوضوح والاضطراب والخلط؛ المدرج الموسيقي له أسطره وأزمِنَتُه، ومسافاته، وأصواته السبعة، ومواقع كل واحد منها، وزمان كل صوت؛ وَقَسِيمُ الصوت الضروري هو الصمت أو السكوت أو الوقف؛ وهو أنواع: وقف، ونصف وقف، وزفرة وربعها وثمنها وُسُدس عشرها.. فأين المدرج اللغوي العروضي من كل هذا؟ نعم تشير إلى المواقع الصامتة في المدرج ونوعها ومواقعها وعددها، وربط درجة الإسراع في النطق والإبطاء بها، لكننا نجد في الوقت نفسه من يعبر بـ>النقرات الصامتة< (كذا!) و>نصف النقرات الصامتة< (كذا!).

خلاصة هذه المسألة أنَّ اللغة والموسيقى فطرتان بشريتان كَوْنِيّتَان بينهما تداخل وتمايز؛ ويُحَتِّم هذا التداخل أن ندرس أحدهما بمفاهيم الثاني؛ وإذ علم الموسيقى أكثر ثراء وتجذراً، فإنه يجب أن تُتَّخَذَ مصطلحاته قاعدة لإيجاد مصطلحات شعرية، وخصوصاً لما يمكن أن أدعوه بـ>الشَّعْثَرَة< أو >النَّثْعَرَة<.

2 - المسألة الزمكانية (البصرية)

الحديث عن الموسيقى ذو شجون، وخصوصاً حينما يتعلق بالزمان، من حيث إن أحد مكوناتها الجوهرية هو الإيقاع؛ وقد عُرِّف الإيقاع بأنه >قسمة زمان اللحن بنقرات<(20) >والزمان إنما سمي زماناً لأن على نهايتيه نقرتين يحصرانه بينهما<(21)،؛ وقد سبق الكلام عن النقرة والمقطع والقدم والكلمة، وقد بينا أن هذه المكونات تحايثها أزمنة طويلة وقصيرة ومتوسطة متآلفة متبادلة.

إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه أن الزمن أنواع مختلفة تبعاً لاختلاف تطور أوضاع البشر الطبيعية والمادية والاجتماعية والروحية، مما أبانه الفلاسفة والأناسيون وعلماء الاجتماع والفيزيائيون. ما يهمنا في سياقنا هذا هو أن هناك من يزعم أن الإيقاع شامل لكل مظاهر الكون في الصيرورة الزمنية ويوْميّاتها، وفي التطورية الحيوانية حياة ومماتاً، وفي دقات القلب، وفي دقات الساعة..؛ وحينما يقال >الإيقاع< تُتَصَوَّرُ عنه الدورية والتكرار.. تَحَكَّم الإيقاع/ الزمان الدوري في تصورات البشر، وإنشاءاتهم المادية والروحية إلى يومنا هذا، ما عدا بعض الاتجاهات التقدمية المتفائلة التي ترى أن الزمان يسير من حسن إلى أحسن.

الحديث، إذن، عن القصيدة العموديّة أو قصيدة التفعلة، أو >الشَّعْثَرَة< أو >النَّثْعَرّة< حديث عن تصور لرؤيا للعالم متعددة التجليات والأبعاد، ومختلفة بحسب مقتضيات الأحوال السائدة؛ إيقاع القصيدة التقليدية دوري لأنه ابن شرعي لفلسفة دورية شموليّة، وقصيدة التفعلة تنويع غير جذريّ لهذه الفلسفة، وذلك التصور؛ إلا أن قصيدة النثر (الشعثنة) نشأت في بداية تصور جديد للزمان؛ هو التصور المستقيم، لكن مكونات اللغة الطبيعية نفسها ضد الاستقامة لما فيها من دَوْرٍ وتَكْرَارٍ للأصوات والمفردات، مما يؤدي إلى دائرة غير صارمة الاسْتِدَارة كالإهليج المتصل بإِهْلِيج غيره. لكن الشَّعْثَنَة أو النَّثعرة هي وليدة فلسفة تسعى إلى البحث عن السيطرة على الزمان والفضاء، وخصوصاً مع بداية القرن العشرين، لدى الرسامين التّكعيبيِّين، ولدى الأدباء، مثل مارسيل بروست في >البحث عن الزمن الضائع<، وفرانز كافكا في >المحكمة<... وفي السينما في >السفر إلى القمر< لجورج مِلْييس... وفي الفلسفة عند هنري برجسون في كتابه >اللحظة والتزامنية<... موسيقى الشَّعْثَنَة ليست دورية ودائرية أو إِهْلِيجية، وإنما هي خاضعة لتصورات جديدة حول الزمان والكون، وصارت، إلى مداها، لدى نظرية العماءِ والكوارث.

وإذ الزمان الشعري كان في كثير من لحظاته شعر إسماع وخطابة، فإنه صار الآن شعر إِبْصَار وقراءة محصوراً في فضاء معين، وهو فضاء الصفحة.. كان التصور للفضاء قديماً دَوْرِيّاً، وكان أفضل الأشكال هو الدائرة، فكانت قصائد الشعر دائرية، أو على الأقل تشبه الخيمة العربية المعهودة أو الخيْمَة الدّائريَّة، وجاءت قصيدة التفعلة مشاكلة لفضاء مدينة القرن الثامن عشر ثم جاءت الشعثنة محاكية لِتَشْيِيدات ما بعد الحداثة، كما تتجلى في بعض المنجزات العالمية، وفي بعض بناء دول الخليج. وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى >بيان الهندسة المستقبلية< الصادر سنة 1914 لأنطونيو سانت إِلِيَا الذي تلته نقاشات وإبداعات عديدة(22).

لم يبق الشعر الحديث والمعاصر بمعزل عن هذه التطورات العلمية والثقافية. فقد ظهر ما يسمى بالشعر المجسم في العالم، ثم في القصيدة العربية؛ وإذا كان هناك من يريد أن يسعى إلى تأصيل هذا الشعر، فإنه يجد مبتغاه في القصائد المشجرة، وفي القصائد المختمة.. وفي الشطرنجيات؛ إلا أننا حريصون على أن نكون تأريخيين، فلذلك ربطنا هذا الشعر بسياقه الحديث والمعاصر.

برز استغلال الفضاء لدى شعراء المشرق والمغرب، وقد رسم الشعراء المغاربة أشياء من الطبيعة، أو من الجسم البشري، أو من بعض المعالم الحضارية؛ أبيات شعرية مكتوبة على شكل شجرة، أو في هيئة قدم بشرية، أو مجسمة في قوس هندسي.. وَجَمْعٌ بين بعض العلامات السيميائية وبين اللغة؛ مثل علامة قف.. ثم وقع التوليف بين الرسم والشعر في >كتاب الحب< لمحمد بنيس(23).

إلا أن من نَبَغَ في هذا المجال، وصار مقلداً فيه، هو الشاعر أدونيس، وخصوصاً في ديوانه (أبجدية ثانية) (24). إذ يجد فيه القارئ استغلالاً كبيراً لفضاء الصفحة، بطرق مختلفة، محاولاً كسر فضاء الصفحة ليفسح المجال أمام الزمان لينطلق. هناك مركز وهامش، وهناك حروف غليظة وهناك حروف دقيقة، وهناك بياض وسواد، وهناك إركام وتبديد، وهناك >طلسمات< وخربشات.

وإذ إن كل ثنائية من الثنائيات تحتاج إلى تفصيل للقول فيها؛ إلا أن ما نَخُصّه ببعض العناية هو سلطة المداد، وسلطة علامات الترقيم، ورمزية التبديد. ننطلق من مسلمة أن السواد وجود، والبياض عدم: >سواد الكلمات له دلالات على ذلك الوجود، وبياض الصفحات له دلالات على ذلك العدم. وإن من ينظر إلى صفحات الديوان يجد السواد يكتسح البياض أحياناً، أو يهيمن البياض أحياناً أخرى، أو يكونان متساويين، أو يكادان. هكذا يكون فضاء الصفحة الأبيض أو فضاؤها الأسود بمثابة سوق بلدية أو مرقعة متصوف، أو مدينة جامعة بين القديم والحديث، أو فسيفساء في منزل تقليدي، أو بمثابة حالة نفسانية لشخص يعيش في مجتمع مختل القيم ومختلط التعابير، أو حالة للأوضاع السديمية والعمائية العالمية. فضاء القصيدة في الصفحة أيقون على ذلك<(25).

قد يتخلل البياض والسواد فضاء قد يطول، وقد يقصر، أو بعرائض، أو بفواصل؛ وقد يؤدي هذا الانفصال إلى تراكم مما يجعل الكلام يأخذ بعضه برقاب بعض..

كل المظاهر المتقدمة أيقونة على حالة الفوضى واللاعقل التي تسود العالم كله والعالم العربي من هذا العالم، مع مراعاة أوضاعه الخاصة.

3 - المسألة الدلالية

إلا أن هذه الدلالات التي منحناها ليست ضربة لازب، وإنما هي اجتهاد منَّا؛ لكنه اجتهاد يَنْبَني على مسلمة، وعلى منهاجية. المسلمة هي أن أعمال البشر منزهة عن العبث، لأنه يمتاز بالوعي وبالمقصدية؛ وأما المنهاجية فهي ما سنوضح بعض معالمها في الفقر الآتية.

يمتاز الإنسان من باقي المخلوقات بالذاكرة التي صارت العلوم المعرفية تهتم بها؛ يقول أحد الباحثين: >إن تقدم العلوم العصبية وبزوغ علم النفس المعرفي جعلا مفهوم الذاكرة يسترجع مكانة نظرية مهمة، ومركزية من دون شك، في العلوم المعرفية<(26)؛ الذاكرة هي التي تجعل الإنسان يكتسب التجارب ويراكمها ويوظفها عندما تدعو الحاجة إليها.

ما يهمنا في إشكالنا هو أن الإنسان يُوظف ذاكرته لاكتساب المعاني وتوظيفها، وبهذه الذاكرة يفهم المعاني بكل يسر وبسهولة أو يتحايل لفهمها بقياس المجهول على المعلوم مقايسة بعيدة أو قريبة. وهكذا، فإن القارئ، حينما يجد الشاعر مصدّراً لقصيدته بقوله: >وقلت في المديح<، فإنه يتنبأ بما سيقوله الشاعر، بناء على ما تخزن في ذاكرته، محكوماً بأوليات نفسانية لها أسماء عديدة؛ مثل الإطار والمدونة والنماذج الذهنية... مفترضاً ما كان على ما كان (أو الاستصحاب) حتى يثبت العكس. (قصيدة المديح هي قصيدة المديح حتى يثبت العكس... والإنسان هو الإنسان حتى يثبت العكس)(27). وقد أسمى المختصون هذه الأولية بـ>الإستراتيجية التنازلية<(28)؛ إلا أن بعض النصوص أو القصائد، أو السلوك لا يكون معناها واضحاً بيناً، أو دلالتها جلية مكشوفة؛ وفي هذه الحالة، فإنه يجب البدء من أول الأمور: التعرف على المفردات اللغوية، وعلى صحّة التركيب ونسقيته، وعلى مدى معقوليتها وانسجامها مع المواضعات أو انحرافها عنها، مع الانتقال من جملة إلى جملة، ومن تركيب إلى تركيب، حتى تتكون الدلالة العامة، وتتحقق الرسالة المفيدة؛ وقد دعيت هذه الأولية بـ>الإستراتيجية التصاعدية<(29).

قد يلجأ القارئ عن قصد وسبق إصرار للإستراتيجية التنازلية لاقتصاد الوقت وتسهيل الأمر على المتعلم، وتعويده على القياس والاستنباط، وقد يتبنى الإستراتيجية التصاعدية لتدقيق التحليل والتماس الفروق بين الأشياء والظواهر، ورصد محاولة التَّجديد. نعم مكونات قصيدة المديح، أو الغزل، أو الهجاء... ومكونات المقامة، أو الحكاية الشعبية، أو الأسطورة معروفة لدى المختصين، بناء على ما رسخه النقد العربي القديم، والسيميائيات الباريزية؛ إنهما أوَّلِيّتان متكاملتان. إحداهما تقارب القياس، وثانيتهما تماثل الاستقراء.

هيهات! إن الشعر المعاصر هو أعقد من هذا؛ فهناك قصائد لا يدرى الموضوع الذي تتحدث عنه. فلا فائدة من الاستنباط إذن! ولا يتوصل إلى دلالتها العامة ورسالتها الأساسية، على الرغم من التحليل الدقيق؛ فلا يحصل إذن استقراء ما دام لم تعرف ملامح المفرد؛ وقد نبه إلى هذا الإشكال بارت من قديم. والحق أن پيرس الأمريكي السيميائي قد اقترح مفهوماً وسيطاً بين الاستقراء والاستنباط؛ ألا وهو الفرض الاستكشافي(30)؛ وهذا المفهوم لم يتعرف عليه الفرنسيون إلا بمساعدة امبرتو إيكو، مع أن پيرس قضى ردحاً من الزمن في مدينة باريز. ومعنى هذا المفهوم أن القارئ يفترض أن القصيدة، أو الحدث أو... تعني كذا وكذا، وقد لا يؤدي هذا الافتراض إلى نتيجة معقولة ومقبولة، ثم يعيد الكرة مرة ومرة إلى أن يتحقق من المقصود أو يصل إليه، أو يغلب على ظنه أنه هو.. على شاكلة أهل المباحث في ميدان الإجرام.

4 - المسألة السّديمية (العمائية)

كانت معاني النصوص القديمة شعراً ونثراً ملقاة في الطريق يعرفها العربي والعجمي الخاصي والعامي؛ ومع ذلك فإن هذه المعاني >الملقاة< اختلف فيها القراء والمؤولون تبعاً لاختلاف الغايات والمقاصد والتعلات.. فكم من قراءة حول أبيات شعرية! وكم من شروح لدواوين وقصائد شعرية! وكم من تفاسير وتأويلات للآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة!

وإذ كان الأمر هكذا في النصوص العربية الْمُبينَة، فما بالك بنصوص ليس لأصحابها حظ وافر من تحصيل تلك النصوص، أو كان لهم زاد كثير منها، لكنهم يعيشون في خضم ثورات علمية غَيَّرَتْ رأساً على عَقِب، منذ بداية القرن الماضي إلى يومنا هذا، مختلف العلوم والفنون؛ كانت هناك ثورة في الرياضيات وفي الفيزياء وفي علم الطب؛ وآخر جواهرها ما يدعى بالعلوم المعرفية؛ وقد تأثرت العلوم الاجتماعية والإنسانية بهذه الثورات. فكانت السريالية والدادية واللامعقول... وتشييء المعاني والقيم، وسيادة النزعات الاستهلاكية.. وكثرة المعنى حتى صار لا معنى...

ما يعنينا في هذا السياق هو هيمنة اللاّيقين(31)، وسيادة الاحتمال، والسديمية والعماء، أو ما عبّر عنه البحث بـ>الكاووسية<. شاعت هذه النظرية في سنوات السبعين والثمانين، وطبقت في مجالات عديدة طبية واقتصادية ونقدية وسيميائية، مما جعل الحديث يدور حول الاستقرار الذاتي، ومركز الجذب، والعماء، والنظام والفوضى، والبسيط والمعقد، والاستقرار والثورة، والانشطار والتشعب(32).

تَبَنَّى هذه النظرية بعض الأدباء فصاغ روايات تمتح من مفاهيم نظرية العماء، ونظرية الكواثِ، ووظفت بعض مفاهيمها في النقد العالمي، ومنه النقد العربي. والحق أن مفاهيم هذه النظرية مفيدة للاستعانة بها في تحليل النصوص المعاصرة، سواء أكانت رواية أم شعراً؛ فهذه النظرية أنشئت للتعرف على الظواهر المعقدة اللاَّخطية مثل أحوال الطقس... والنصوص المعاصرة شديدة التعقيد ليست معانيها مستقيمة. ذلك أن >وجود نظرية العماء في الأنساق اللاّخطية، أو أعظام كثيرة متفاعلة، صارت إبدالاً جديداً لبعض الرياضيين والفيزيائيين والبيولوجيين. نظرية العماء، التي هي علامة هذا الزمن، صدى للأعمال التي حول الاستقرار للتوازن الميكانيكي، المنجزة من قبل المدرسة الروسية في بداية القرن العشرين<(33).

إلا أن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن توظيف بعض مفاهيمها يجب أن يكون بذكاء وبمراعاة لخصائص الموضوع المبحوث، وإلا أدى ذلك التوظيف إلى حَذْلقاتٍ رياضية عقيمة، كما تتجلى في أعمال بتيطوط كوكوردا الخاصة بالسيميائيات الباريزية. نعم قد استطاع حل بعض مشاكل السيميائيات، لكنه بقي يدور في فلك الرياضيات؛ وشتّان ما بين قوانين الرياضيات، وتلقائية اللغة الطبيعية. ولهذا لا يمكن إلا أن يقبل هذا القول الحصيف: >حقاً، نرى العماء في كل مكان، وخصوصاً في بداية القرن الواحد والعشرين. لكن النتائج المتوصلة إليها من هذه النظرية تجعلنا نفكر أن تعميم نظرية العماء، والأنساق المعقدة، والكوارث، ثورة علمية مجهضة<(34).

5 - مسألة النصنصة

بينا قبل أن الذاكرة تقوم بدور كبير في تكييف الإنسان مع الطبيعة، وفي الهيمنة عليها ليعيش في تقدم ورخاء، ويتجنب المشاق والمهلكات، وينقل التقاليد والأعراف من سلف إلى خلف. ومنتج الخطاب الشعري أو النثري لن يشذَّ عن هذا القانون العام. وبهذا يمكن اعتبار النصوص الشعرية >في الغرض< الواحد نصاً واحداً، بل يمكن اعتبار الجملة الأولى نواة للنص بحذافيره. إن عملية الإعادة هذه والإبْدَاءِ، ونقل التقاليد الشعرية وترسيخها دعيت بأسماء عديدة تبعاً لرؤى الْمُسَمِّينَ وتصوراتهم وأهدافهم، وتطور العلوم والمعارف. هكذا سمّى النقد العربي القديم هذه الأولية الذهنية باسم السرقات، مع تسميات أخرى قليلة الشيوع؛ وانتبه إليها أحد أشهر النقاد العالميين في سنوات الثلاثين من القرن الماضي، في سياق دراسته للثقافات والمقارنة بينها، وإن لم يمنحها مفهوماً خاصاً قاراً، لكنه يمكن أن ينعت بأنه >تداخل الثقافات<(35)؛ ثم جاءت سنوات الستين والسبعين فأعيد النظر في هذه الأولية، في ضوء مراجعة المفاهيم الأساسية المكونة للمركزية الأوروبية، واقترح لها من الأسماء أو المصطلحات >التناص<(36).. ثم جرت مياهٌ كثيرة تحت قناطر السنوات السبعين والثمانين وما بعدها، في سياق اشتداد سواعد علوم جديدة؛ هي العلوم المعرفية المتضافرة المتعاونة؛ إذ تجتمع فيها أمهات العلوم، مثل الرياضيات والمنطق، والفيزياء، والعلوم الطبّية الراقية وتفرعاتها، والعلوم الاجتماعية والإنسانية وأخواتها. وجدير أن يكون اسم هذه الأولية، في هذا المناخ الجديد اسم تفاعل النصوص(37).

يتبيّن للقارئ أن جوهر الأولية واحد لا يتغير بالزمان ولا بالمكان ولا بالأشخاص؛ لكن التسميات ومدى الأولية وحدودها تابع لمقتضيات الأحوال؛ مصطلح >السرقة< وليد تصورات الثقافة العربية الإسلامية، بما فيها من أحكام شرعية، ومن منظورات لِلْمِلْكِيَّة الفردية، ومقدرات الإنسان الإبداعية؛ و>تداخل الثقافات< امتداد لحركات مقارنة بين الحضارات والثقافات ابتدأت في القرن التاسع عشر؛ وقد أدت هذه المقارنات إلى بعض الآراء العِرْقِية المقيتة (ثقافة حية/ ثقافة بدائية)، ثم تصدى لها آخرون من أهل الأناسة البنيوية (ليفي ستراوس)؛ و>التناص< ثورة ضد المركزية الأوروبية وعقلانيتها المتطرفة، وحرّيّاتها المتوحشة، واستغلالها البشع للجماعات، والأمم، والأفراد. النص هجين مثلما هي المجتمعات هجينة، والثقافات هجينة.. فلا نقاء في أي شيء؛ و>النصنصة< توسيع لمفهوم التناص وتَجْذِيرٌ له؛ إذْ يجمع النص بين الشعر والنثر، وبين التراكيب اللغوية والرسوم التشكيلية.. إنه التهجين؛ و>الأصالة أن تهجن<؛ هذا هو شعار ما بعد الحداثيين.. بل إن الأمر ازداد تعقيداً فيما يمكن أن يدعى >تداخل الأجناس<؛ هكذا صار >النص< يحتوي على التعابير اللغوية، وعلى الرسوم، وعلى التشكيل، وعلى مقتطفات من نصوص تاريخية وفلسفية، ودينية.. وأرقام وأعداد وأشكال هندسية... >النص< فسيفساء الثقافة الموروثة والمعاصرة..؛ في ضوء كل هذا، نقول: فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عن أمر الصيرورة التأريخية أن تصيبهم فتنة الخلط، أو يصيبهم التلفيق الضار!.

إن تطور هذه الأولية الإنسانية يفرض تطور مقاربتها لتبيان مكوناتها، وعناصرها، والعلائق فيما بينها، ولإبراز أنها كَوَّنت نسيجاً ذا لحمة وسدى أسماه المحدثون بالنص. لتحقق هذا كان لابد من وضع مفاهيم؛ هي التناص الخارجي، والتناص الدّاخلي؛ أفاض القدماء من نقاد العرب في رصد علاقة نص بغيره كما تُبَيِّن ذلك كتبهم في هذا المجال، ولم يُضِف بعض المحدثين من النقاد إلا بعض التعديلات في التّسميات وفي المصطلحات، كما أن مساهماتهم كانت قيمة في إبراز التناصّ الداخلي من حيث اتساق الجمل والتحامها، أو من حيث علائق أقسام القصيدة فيما بينها، مما خصص له حازم القرطاجني: >المنهج الثالث في الإبانة عما يجب في تقدير الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين هيئاتها، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائماً للنفوس أو منافراً لها<(38).

إلا أن الأمر يزداد تعقيداً حينما يراد أن تبرز العلائق بين الثقافات المختلفة. ذلك أن القدماء فرقوا بين العلوم الدخيلة والعلوم العربية الأصيلة؛ ولهم مواقف مشهورة مسجلة في الكتب تتراوح بين الرافض بإطلاق، أو الرافض لبعض العلوم، أو القابل بإطلاق..؛ وفي البحث المعلق عليه صدى من هذه المواقف القديمة حيث يقول: >الشعر الجديد انطلق عندنا، كما تنطلق كل موجاتنا الثقافية والفنية في كل المجالات، من جملة مفاتيح يفترض واجدوها لا موجدوها بالضرورة وَمُتَلَقُّوهَا أنها أكيدة، وأنها أخيراً جاءت بالحل وأنها تامة< (ص 3)؛ إنه رأي سديد من حيث الإجمال لا من حيث التفصيل؛ ذلك أن الموقف من ثقافة الغير وكيفية التعامل معها شديد التعقيد، تبعاً لمواقف المتلقين وظروفهم الخاصة والعامة؛ ومن ثمة اقترحنا مفاهيم متعددة لِتُبْعدنا عن الأحكام الاختزالية الجائرة؛ وهذه المفاهيم؛ هي القولبة، والتمثل، والتكْيِيف، والتحصن، والإبعاد، والتأغرب(39)؛ نعني بـ>القولبة< أن هناك فطريات بشرية كونية تجعل تصورات ثقافية متطابقة مشتركة بين جميع الأمم؛ مثل الضروريات والحاجيات الطبيعية التي هي أساس المحافظة على الحياة..، والضروريات والحاجيّات الفكرية، مثل المحاكاة والقياس والتشبيه..، وبـ>التمثل< ما يرتكز عليه المرء من ثقافته الأصيلة بكل مكوناتها، لكن يواجه بأوضاع جديدة يتغلب عليها بقياسِهَا على ما يعرفه من أوضاع قديمة؛ وبـ>التكييف< أن المرء يتخذ الثقافة الوافدة أصلاً يُكيّفُ في ضوئها ثقافته القديمة؛ إنه القياس المقلوب، وبـ>التحصّن< من تلك الثقافة >الدخيلة<، حينما يراها مؤدية إلى خسارة مؤكدة، وإلى إخلال بنواميس العمران، فيُبْعِدُها إبعاداً لئلا يُخلّ بمسؤوليته كرائدٍ أو مثقف؛ إلا أن هناك من لا يراعي فيتغرب ويذوب في شخصية غيره.

إن هذا التعقيد على مستوى تفاعل الثقافات يواجهنا أيضاً على مستوى التحليل في تداخل الأجناس. فقد أفلحنا إلى حدّ مّا، في تعقيد العلائق بين النصوص بتوظيف نظرية المجموعات(40)، وبالتحليل بالمقومات(41)، وبمفاهيم من الذكاء الاصطناعي(42)، لكن الأمر أشد تعقيداً حينما تجتمع اللغة والرسم والتشكيل والخربشات والعلامات السيميائية في >نص< واحد؛ فلا يصح، والحالة هذه، أن يحلل الرسم بمفاهيم لسانية محضة، ولا اللغة بمصطلحات التشكيل. ذلك أن مداخل الإدراك مختلفة؛ اللغة تدرك بحاسة السمع، وأجناس الفنون الأخرى بحاسة البصر..؛ وكل حاسة من هذه الحواس له باحة في الدماغ البشري. ومن يقرأ الكتب الخاصة بالعلوم المعرفية يجدها تتحدث عن الأنساق الإدراكية بصفة عامة، ثم تتحدث بالتخصيص عن النسق السمعي، والنسق اللمسي، والنسق البصري... وهو حديث صادر عن علماء وأطباء.. وإعلاميين.. وفيزيائيين..؛ وكل هذا يعقد من مهمة الناقد أو المحلل أو الباحث المتأدب مما يجب معه تحذيره من مزالق التبسيط، والتعميمات المخلة.

6 - المسألة التاريخية

إذا كان الإنسان هو الإنسان، فإن الزمان وعاء للإنسان، ولقد أحسن الباحث صنعاً، وقدر له كل التقدير هذا الإحساس الحاد بتأثير الفضاء والزمان في العملية الإبداعية؛ وبأن الزمان لا يرجع إلى القهقرى، أو يسير في خط مستقيم. ومن ثمة كان على حق حينما ناقش من يقول: إن ثمة قهقرى (ص 1). وأن السابق أحسن من اللاّحق، وأن الأوائل أفضل من الأواخر (ص 2)، وأنه >لا يمكن الكلام عن تقهقر الشعر ولا عن تقدمه< (ص 19)، وكان على صواب حينما اقترح تحقيباً: سنوات الستين والسبعين والثمانين والتسعين.. بل واستعمل كلمة الإبدال والثورة والتطور.. وتعرض لبعض النماذج الشعرية اللبنانية والسورية والعراقية والمصرية.

سَنَغْتَنِم هذا الإحساس لإلقاء بعض الأضواء على بعض القضايا التي كُتبت فيها وتُكتب المقالات والكتب العديدة، لما لها من أهمية في التصور التاريخي، وفي تاريخ العلوم والأفكار والنظريّات؛ وأولى هذه القضايا ما تطرحه مسألة التحقيب من إشكال. هل التحقيب الغربي يصح أن نحقب به نحن؟ ما هو مستند التحقيب؟ ما المفاهيم المستعملة فيه؟ معروف أن الغربيين يحقبون بالعصور القديمة والوسيطة والحديثة، إلا أن المرء إذا راعى بعض التحولات الكبرى فإنه يقترح تحقيباً ثلاثياً؛ العصور القديمة والوسيطة إلى القرن السابع عشر، وما بعد السابع عشر إلى القرن العشرين، ومن القرن العشرين إلى يومنا هذا؛ فهل يصح لنا، نحن العرب والمسلمين، هذا التحقيب؟ لعل ما هو ملائم لتطور التأريخ العربي هو حقبة العهود القديمة والوسيطة التي هي مستمرة ومهيمنة على الأذهان والرؤى؛ إذ لم نَمُرّ بحقبة الإصلاح وبحقبة التنوير، وبحقبة الصناعة، وبحقبة الاكتشافات العلمية المؤثرة؛ وإِذْ لم نمرّ بصيرورة تاريخية مترابطة الحلقات تسلم إحداها إلى الأخرى، صَيْرُورَة تكون وليدة تفاعلات اجتماعية وعلمية ودينية واقتصادية.. فما يفعله بعض منا بثقافة غيره هو مجرد نغبات طائر، وطفرات جندب... هكذا تكون الاقتباسات اختزالاً لا يلبث أن يتحول اعتقاداً راسخاً رسوخ الآيات القرآنية والإنجيلية.. فلا غرابة، إذن، أن لا يكون هناك توليد وإعادة تجريب، وإنما استهلاك سريع (ص 3)؛ وخصوصاً إذا كان من يفعل هذا من مقولة >المتأغربين<.

إن ما قلناه ليس جلداً للذات، وإنما هو مبني على أسس موضوعية. ذلك أن التحقيب يتأسس على مستندات متنوعة؛ منها الاكتشافات الجغرافية. فقد انتقل التصور الجغرافي من نظرية الأقاليم السبعة، إلى نظرية القارات المتعددة، فإلى القرية الكونيّة؛ وجل ثقافتنا العربية الإسلامية تنتمي إلى نظرية الأقاليم السبعة؛ وهي نظرية بمحتواها تعوقنا عن أن نسلم بما حصل في العالم من تحولات رهيبة لنتكيف معه.

وأما مستند التحقيب فهو الأحداث الكبرى، سواء أكانت سياسية أم علمية أم معرفية أم أدبية. لذلك كان التحقيب السياسي الذي ذكرناه، وهناك التحقيب العلمي الذي يستند إلى الثورة في الإبدالات(43) العلمية كما بَيَّنَ ذلك طوماس كون، أو في التصورات الفلسفية كما هو حال ميشيل فوكو مع >الإبتسمي<(44)، أو المنعطفات(45) الأدبية الكبرى كما هو صنيع مدرسة التلقي الألمانية، وخاصة ياووس..؛ إن ما يجب الانتباه إليه أن هذا التحقيب يدعى لدى مدرسة الحوليات التاريخية(46) الفرنسية التحقيب بالمدى البعيد(47).. وأما ما دونه، كأن يكون التحقيب بِعَهد حاكم واحد، أو بدولة واحدة، أو ما دون ذلك أو أكثر بقليل، فإنه التحقيب بالمدى القصير(48).

مهما يكن الأمر، فإن ما يقترح من تحقيبات في العالم العربي، كأن يقال شعراء الستين، أو شعراء السبعين، أو شعراء الثمانين، أو التسعين...، فإنه غير وجيه مناف للأعراف العلمية والوقائع الموضوعية..؛ فإذا ما قبل هذا الوضع، فإن كل سنة أو شهر أو يوم سيصير له شعراؤه وقصاصوه..، نعم لا ينكر أنه كانت موجة أدونسية في سنوات السبعين (ص 5)، وكانت هناك ثلاث بؤر شعرية أو أكثر في العالم العربي: لبنان وسوريا والعراق ومصر (ص 8).. وما نتج عن هذا من بيانات شعرية، وسجالات حادة؛ ومع كل هذا، فإن ما أثبته البحث العلمي الرصين يُؤَكِّدُ أن ليس هناك إبدالات، أو إبستميات، أو قطائع(49) مطلقة بين النظريات والمذاهب والعلوم، وإنما يكون هناك استيعاب واجْتِيَاف الجديد للقديم. فلا قطيعة مطلقة إلا عند من يعتنق النّسبانيّة(50) المتطرفة، كما أنه لا تكرار مطلقا إلا لدى من يفكر بالجوهرانيات(51). فقد ثبت لنا بعد البحث والتحري أن كثيراً من الأسس التي تقوم عليها السيميائيات الباريزية تنتمي إلى ما قبل الحداثة.

قد يعترض معترض فيقول: إن ما ندعو إليه هو السير في بحر لُجِّيّ من غير بوصلة، أو هو خبط عشواء في فياف بدون هادٍ. ونجيب أننا لا ننكر التحقيب على الأدب العربي بإطلاق، وإنما ندعو إلى تحقيب يجري في مجاري العادات الإبداعية الإنسانية، ولعله هو التحقيب الذي يتبنى تقسيم الشعر العربي إلى أمدين بعيدين؛ أولهما أمد شعر التفعلة التي صِيغَ فيها الشعر العمودي وغيره من أنواع الشعر الأخرى، وثانيهما الشعثرة التي أنهت كثيراً من قوانين الموسيقى القديمة؛ وهذا التحقيب مستقى من البحث نفسه الذي يقابل بين قصيدة النثر وقصيدة التفعلة (ص 10)، وكأن قصيدة النثر جاءت إبدالاً بعد أن وصل الشعر العَمُودِي وشعر التفعلة إلى أزمة، على شاكلة النظريات العلمية كما لدى طوماس كون (ص 10)؛ شِعْر التفعلة تراث عربي عريق؛ هو النواة لكل شعر موزون مقفى في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، والشعثنة تراث إنساني فرضتها الصيرورة التأريخية، كما أن الموسيقى العربية القديمة والعباسية... والأندلسية تراث عربي >أصيل<، وأن الموسيقى المعاصرة بأجناسها وأنواعها المختلفة انعكاس لتطلعاتِ وهُمُومِ البشرية المعاصرة.. فلا إبادة للتراث الإنساني، ولا محيص من صيرورة التاريخ التي لا يوقفها عويل المعولين ونادبات الخدود، وشاقات الجيوب.

إن كثيراً من هؤلاء يتوهمون ما يتوهمون كما لو أن الأرض صارت غير الأرض، والسماوات غير السماوات، وأن الخلق سيصير جديداً غير الخلق الذي يعيشون بين ظهرانيه، كما اعتقد مقابلوهم من أهل ما بعد الحداثة المتطرفين الذين أقاموا القيامة قبل أمر الله بها؛ لكلّ هؤلاء جميعاً قلنا: إن الإبدال لا يعني القطيعة المطلقة؛ ونقول الآن: إن الأمر ليس من البساطة كما يتصورون؛ فإذا ما نظرنا إلى الشعر في إطار تصور انتظام الكون (الكُوسْمُولوجيا)، فإن الشاعر وأيّ مستعمل للغة يسبح في بحر الطفولة البشرية على الرغم منه؛ تصورت الكوسمولوجيا القديمة أن العالم عبارة عن سلسلة من المخلوقات؛ بعضها مدرك بالحواس، وبعضها غير مدرك. هذه المخلوقات هي الكائنات العلوية المتعددة، والكواكب، والمخلوقات الجمادية، والنباتية، والحيوانية؛ يجد القارئ هذا التصور لدى ابن سينا وابن عربي وابن خلدون موضحاً ومفصلاً بمفاهيم مثل الاتصال، والاستحالة، وغيرها من مفاهيم مماثلة تسعى إلى إثبات الاتصال بين العوالم وإلى ترابط بعضها ببعض.

تأسيساً على كل هذا، فإن الشاعر يجوز له أن يقول: إن هذه الفَتاة مَلَكٌ (العوالم العلوية) أو: إن الفتاة شمس (الكواكب والأفلاك)، أو: إن الفتاة مَاسَّة (عالم الجماد)، أو: إنها غُصْنُ بَانٍ (عالم النبات)، أو: إن لها عيون المها (عالم الحيوان). جازت هذه التعبيرات وصحت لأن كل العوالم يشبه بعضها بعضاً من جهة أو جهات، ويختلف بعضها مع بعض بجهة من الجهات. ما زال الشاعر يشبه وجه حبيبته الصبوح بالقمر، مع ما فعل بالقمر من أفاعيل! وما زال بعض الشعراء يعبرون بأن زحل أعلى الكواكب! وما زالت التعبيرات رائجة عن المغرب الأقصى! وما زال بعض الفلاسفة والمنظرين يتحدثون عن العقل والخيال!!... هكذا، نحن، الأناس العاديين والشعراء، ما زلنا أسارى لغة طبيعية صارت أكثر تعابيرها وتصوراتها من قبيل الأساطير والفكر اللاعقلاني، وعبيداً لنظرية الأقاليم السبعة.

توضيحاً لكل هذا سنختار نموذجاً شعرياً صار نموذجاً يحتذى في مشارق الأرض ومغاربها؛ إنه الشاعر أدونيس. تحدث الباحث عن موجة أدونيسية في السبعينيات في مصر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان (ص 5)، لأنه أوجد حداثة ذات عراقة كلاسيكية، وتوفيقاً بين قطيعة راديكالية مفترضة وموازين تراثية، لكن الباحث أيضاً يرى أن الأدونيسية عنوان على التمحل اللغوي ولي العبارة وهذيان غير موزون، والسيلان اللغوي والشعري لدى الشعريات الفلكية (ص 6)؛ إنها صارت في الإنتاجات الفلكية تكراراً وتبسيطاً وتسهيلاً، أو ادعاء فوق شعري وفوق فكري وفوق أي شكل أو دلالة (ص 7).

حقاً، لقد نبه الباحث بذكاء كبير إلى الداء العضال الذي أصاب الأدونيسية مما جعل علاجه يستعصي على أمهر النطاسيين؛ محاولة منا لإيجاد العلاج، فإننا سننبه إلى بعض الأسس التي اعتمد عليها أدونيس لإقامة صرحه الشعري؛ من بين تلك الأسس نظرية انتظام الكون، كما هي عند بعض الفلاسفة، وبعض المتصوفة، وخصوصاً ابن عربي الحاتمي. كان لهؤلاء تصور لانتظام الكون وترتيبه ونضده، بما يحتويه من عوالم وأكوان وأركان وَتَوَلُّدَات، وبتقسيم الكون إلى عالم كبير وإلى عالم صغير؛ هذا العالم الصغير الذي تكوّن من العناصر الأربعة التي هي النار والهواء والماء والتراب، وتُوَصّل بينهما الطبائع الأربع التي هي الحرارة والرطوبة واليبوسة؛ وتولد عن العناصر والطبائع المتكونات التي هي المعادن والنبات والحيوان والإنسان الذي تعتريه أخلاط أربعة؛ هي الصفراء والدم والبلغم والسوداء. لقد كانت نظرية العناصر الأربعة والطبائع الأربع لب فلسفة انتظام الكون، وعلم الطبيعة، وعلم الطب، وعلم الكيمياء، والسحر والطلسمات، ولم يزحزها عن مكانها إلا التطورات العلمية التي حصلت بعد عصر النهضة؛ لكنها بقيت جوهر الإبداع الراقي، وخاصة الشعر.

يتحقق الاتصال بين كل تلك العوالم بالاستحالة؛ وقارئ شعر أدونيس، وخصوصاً أبجدية ثانية يجده صاغ هذه القضايا شعراً، حتى أننا تجرأنا فَعَنْوَنَّا بعض أبحاثنا بـ>صياغة شعرية لقضايا فلسفية<(52)؛ وإذ كان الأمر هكذا، فإنه لا يمكن للشاعر الأدونيسي أن يتوقف بدون قراءة عميقة للتراث الفلسفي والصوفي وغيره من التراث الذي يسير في ركاب الأفلاطونية والأفلوطينية والقبالية. وقَلَّ من فعل، لذلك ما أصدره الباحث من أحكام أصاب به كبد الصواب.

من بين الأسس التي أقام عليها أدونيس >بيت الشعر< فلسفة انتظام الوجود؛ ونقصد بها انتظام الوجود العيني في فضاءات معينة وأزمنة خاصة يعيش فيها أناس من دم ولحم بوئام أحياناً، وتدافع أحياناً أخرى؛ لهذا يجد القارئ لدى أدونيس شغفاً بالحديث عن الفضاءات، وولعاً بالكلام عن التاريخ؛ الفضاءات المطلقة، والتاريخ المطلق، والفضاءات الخاصة مثل القاهرة ودمشق وصنعاء وباريز.. والزمان المعين مثل تاريخ مصر، واليمن وتدمر..

من بين الأسس التي كونت شعره فلسفة انتظام المعنى؛ ومن بين عناصرها فلسفة الجسد، وتوليد الدلالة. تنطلق هذه الفلسفة منذ القديم بالمضاهاة بين العالم الأعلى - الكون الكبير، والعالم الأدنى - الكون الصغير. ومن يقرأ آثار بعض الفلاسفة، وبعض المؤلفين في التصوف يجدها اتخذت جسد الإنسان أصلاً تُفسّر به مكونات العوالم العلوية، وبعض الأفعال الإنسانية (تنظر مؤلفات ابن عربي، وروضة التعريف لابن الخطيب).. لكن الاهتمام ازداد في السنوات الأخيرة بالجسد؛ حتى أنه جعل إبدالاً أو منعطفاً من الإبدالات والمنعطفات الفكرية الكبرى؛ إلا أن الفرق بين استثمار الجسد في القديم والحديث أن القدماء حافظوا على النظرية الغائية بأعضاء الإنسان ومنافعها، فبقيت العين للبصر والأذن للسمع... لكن المعاصرين قد يسندون إلى العين المشي، وإلى الأذن البصر... ضمن تصور لتحطيم الأعراف اللغوية وتقاليدها المتوارثة.. مما يخلق نصاً سديمياً.

ليست فلسفة انتظام الكون وفلسفة انتظام الوجود، وفلسفة الجسد إلا فلسفات من بين فلسفات أخرى مثل الوجودية، والظاهراتية، والمُتْعِيَّة، وثقافة عربية أدبية أصيلة وعميقة؛ وعليه، فإن النسج على منوال أدونيس الشعري، ومحاولة قراءته وتأويله تحتاج إلى زاد ثقافي متنوع، وإلا فإن ما ينتج حوله سيكون طلسمات شعرية، وحذلقات لغوية.

7 - مسألة أبدية الشعر

شاع في السنوات الأخيرة الاهتمام بالاستعارة، فقيل: >نحيا بالاستعارة<، بل إن هناك من يتحدث عن شعرية الذهن البشري (53)؛ وما ذلك إلا لكون اللغة ملكة من الملكات المتجذرة في الذهن البشري، مثلها مثل الموسيقى؛ وكثير من مفردات اللغة وتعابيرها تحمل معها تصورات صارت من قبيل الأساطير؛ هكذا، فإن الشاعر، من حيث جوهره، تقليدي ينطلق باسم التقاليد البشرية جميعها، وباسم تقاليد أمته، إلى أن يصير يستعمل لغة اصطناعية، مثل الرموز الرياضية والمنطقية، فيتعالى عن كل ذلك فلا يبقى شاعراً.

الشاعر هو اللغة، وشعريته متوقفة عليها، واللغة والموسيقى توأمان، إلا أن الشاعر المعاصر تجد لديه في فضاء واحد اجتماع اللغة بالرسم، وبالتشكيل، وبالعلامات السيميائية، وبما يشبه الطلسمات، ممّا يخل بموسيقى الشعر ويخلخلها؛ غير أن تلك المبصرات لها أسس مشتركة مع الموسيقى؛ تلك هي التقابلات: تقابل الألوان، وتقابل الأحجام، وتقابل الجهات؛ وهو تقابل ليس سكونياً مما يجعل المتقابلات تتناوب وتتبادل وتتعاكس ويتداخل بعضها في بعض، وَيَنْحَلُّ بعضها من بعض؛ ومن ثمة تكون الأوليات المتحكمة فيما يدرك بالبَصَرِ مماثلة للأوليات المؤسسة بما يدرك بالسمع. تلك الأوليات هي التفكير بالتقابل؛ وهو تفكير نشأ مع بداية الإنسان الأولى إلى يومنا هذا.

إن هذا الوضع المعقد الجديد المتجلي في الشعر جعل ما يكتب الناس حوله عبارة عن بيانات أزمة: أزمة في الشعر، وأزمة في نقد الشعر، وأزمة في تلقي الشعر.. وكأن الأمر خاص بهذه الأمة. إن ما نعيشه وضع عالمي، عاشته أمم خلت من قبلنا، وأمم نعيش تحت هيمنتها، وأمم نتفاعل معها، لأن قوانين التاريخ وإبداع الموهُوبِين من البشر اقتضت ذلك. والفرق بيننا وبينهم أنهم أعدوا إعداداً مُلائماً ليسايروا ثقافة العصر وعلمه. فعلى الناقد أن يلم بكثير من المعارف التقليدية مثل علوم العربية وما اتصل بها، والفلسفة القديمة والحديثة والمعاصرة في أهم تياراتها، وتاريخ العلم والنظريات، وفلسفة التاريخ بصفة خاصة، ثم الإلمام ببعض المفاهيم العلمية المعاصرة، والتعرف على بعض نتائجها؛ ومتلقي الشعر من القراء العاديين والجمهور مطالب بأن يؤمن بأنه ينتمي إلى حضارة وثقافة تشترك فيها قارات ثلاث قديماً؛ هي بعض آسيا، وأوروبا، وأفريقيا.. وهو يعيش في قرية كونية الآن؛ وعليه، فإنه جزء نبيل من الإنسانية يفعل فيها وينفعل بها.. وأن الإنسانية في صيرورة تاريخية غير متوقفة، وأن التاريخ، على الرغم من كل ما يحدث، سائر إلى الأحسن والأرقى. ومن ثمة، فإن ما سَتُبْدِعُه البشرية سيكون أحسن وأجمل. وعليه، فلا خوف على الشعر؛ إنه أبدي أبدية اللغة، وأبدية الموسيقى، وأبدية الأحاسيس والانفعالات.. لكنها أبدية مشروطة بمقتضيات المحيط، فعلينا أن نغير مقتضيات المحيط لنغيّر ما بقومنا وبأنفسنا.

هوامش

(1) Anthony Storr, Music and The Mind, The paperback, edition 1993, pp. 1-23.

(2) Rochel Gelman and Kimberly, Brenneman, "First Principle Can Support Both Universal and Culture-Specific Learning about rumbrer and Music", in Mapping The Mind, Edited by Lawrence A. Hirschefeld Susan A. Gelman, Cambridge , University Press, 1994, pp. 369-390.   (3) Anthony Storr, op. cit., p. 8.                                                                                 

(4) Rochel Gelman, op. cit., p. 376.

(5) في قضية استقلال القوالب وتواصلها نظريات كثيرة بدأت تتداول وتقترح منذ نشأة اللسانيات التوليدية، وخصوصاً لدى شومسكي وفودور.

(6) انظر كتابنا التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 1996؛ ورؤيا التماثل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 5002.

(7) لنا بحث بعنوان >أوليات رياضية منطقية في النظرية السيميائية< يوضح هذه المفاهيم؛ وسينشر، إذا أجيز، في مجلة عالم الفكر الكويتية التي سيكون لها عدد خاص بالسيميائيات.

(8) Rochel Gelman et Al, op. cit., pp. 374-476.

(9) Aristide quintilein, La Musique , Traduction et Commentaire de François Duysinx, Librairie Droz, Genève, 1999.  

(01) فليرجع من أراد المزيد من المعلومات حول Phythagore إلى المعجمات الخاصة بالفلاسفة.

(11) لمزيد من التعرف على هذا ينظر معجم الخليل بن أحمد، والإشارات والتنبيهات لابن سينا، ورسائل إخوان الصفاء، وكشف الحجاب لابن البناء. وقد أبنا بعض هذا في: مشكاة المفاهيم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 2000؛ الشعر وتناغم الكون...، مطبعة المدارس، الدار البيضاء، 2002.

Rashed Roshdi, "Métaphisique et Mathématique dans la Culture islamique classique: Avecenne et ses Successeurs". 

بحث كتب بمناسبة انعقاد ندوة دولية حول تطور العلوم بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط.

(12) أبو الحسين حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق وتقديم محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت/ لبنان، 1981، ص842.

(13) حازم، المصدر نفسه، ص 247، 762.

(14) حازم، المصدر نفسه، ص 234، 248، 762.

(15) حازم، المصدر نفسه، ص 432.

(16) رسالة يحيى بن المنجم في الموسيقى، تحقيق زكرياء يوسف، القاهرة، دار القلم، 1964، ص 17-42. قال إسحاق بن إبراهيم: >إن النغمات >عشر< ليس في العيدان ولا المزامير ولا الحلق ولا شيء من الآلات أكثر منها<، ص 71. >وقال القدماء من أصحاب الموسيقى والنغم >ثماني عشرة< نغمة... <، ص 12.

(17) انظر محمد مفتاح: >الفطرة والصنعة في موسيقى (الفروسية)<، ضمن كتاب أحمد المجاطي، شاعر المغرب، منشورات رابطة أدباء المغرب، 2004، ص 41-66.

(18) John J. Mc Carthy and Alan S. Prince, "Prosodic Morphology" in Goldsmith, (Ed), A. Hand Book of Phonological Theory, Oxford, 1995 B.

- "Morphological and Phonological Perspectives". Prosodic Morphology and Templatic Morphology", Perspectives on Arabic Linguistics II, (Eds) by Mushira Eid And John Mc Carthy, John Benjamin Publiching Compagny, 1990.

(91) لم يسعفنا الوقت للرجوع إلى هذه النظرية في أصولها؛ لذلك كان اعتمادنا على كتاب الأستاذ الدكتور مبارك حانون: في الصواتية الزمنية. الوقف في اللسانيات الكلاسيكية، دار الأمان، الرباط/ المغرب، 1424 هـ/ 2003 م .

(20) انظر الحسن بن أحمد بن علي الكاتب، كتاب كمال أدب الغناء، وخصوصاً، الباب الثامن والعشرون: الإيقاعات، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة، ومراجعة محمود أحمد الحفني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص 92-104.

(21) الحسن بن أحمد، المرجع نفسه، ص 93.

(22) لمزيد من المعلومات ينظر في كتاب: Pierre Papon, Le Temps des ruptures aux origines Culturelles et Scientifiques du XXIe siècle, Fayard, Paris, 2004, pp. 31-66.

(32) هناك ثلاثة شعراء برزوا في هذا المجال هم بنسالم حميش الذي دشن الحركة، ثم محمد بنيس وعبد الله راجع، وأحمد بلبداوي. وقد أنجزنا دراسة مفصلة حول >كتاب الحب< لمحمد بنيس، اشتمل عليه كتاب المفاهيم معالم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 8991.

(24) محمد مفتاح، رؤيا التماثل... وخصوصاً الفصل المعنون بـ >سفر الخروج<، من ص 259-692.

(25) فقرة منقولة من الكتاب المذكور نفسه، ص 290-192.

(26) Marta B. Gordon. Hélène Paugam-Moisy, Sciences Cognitives. Diversité des approches. Hermes, Paris, 1997.                                                                                                                  

والمقال المتعلق بالذاكرة في هذا الكتاب؛ هو:

Guy Tiberghien, " La Mémoire humaine: Connaître on se souvenir?, pp. 139-151.

(72) محمد مفتاح، مجهول البيان، طبقال، المغرب، 1990؛ في هذا الكتاب تفصيلات لهذه المفاهيم.

(28) Top-down.

(29) Bottom-up.

(30) Abduction.

(31) Pierre Papon, Op. cit., pp. 116-118.

(32) Jean Petito-Cocorda, Morphgenèse du Sens, T. I, Préface de René Thom, PUF, Paris, 1985.

Jacques Demongeot, "Attracteurs-Homéostasie et Chaos dans les réseaux de Neurones" in Sciences Congnitives.

ومن تطبيقاتها في العربية:

محمد مفتاح، دينامية النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 1987؛ أحمد اليبوري، دينامية النص الروائي، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 3991.

(33) Pierre Papon, op. cit., pp. 120-121.

(34) Ibid., p. 126.

(53) قصد مكائيل باختتين. ومن اقترح المصطلح ثم شاع كريستيفا.

(36) Intertextualité (y).

(73) اقترحنا مفهوم >النَّصْنَصة< في كتاب المفاهيم معالم، لكن هناك نصوصاً أكثر تداخلاً مما حللناه هناك، مما يصح أن يقترح له (تفاعل النصوص، أو تفاعل الأجناس).

(38) حازم القرطاجني، المصدر السابق، ص 287-203.

(39) محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم، وخصوصاً، الفصل الثاني المعنون بـ>التنظير بالخيال<.

(40) يجد هذا المفهوم موظفاً مِن قِبَلِنَا في دراسة التناص بالكتب الأخيرة، وبإثبات العلائق بين العوالم.

(41) هو ما يسمى بالفرنسية (L'Analyse Sémique) أو بالإنجليزية: Componential Analysis.

(42) Frame-Script-Schema-Mental Models...

(43) E. Paradigm-F. Paradigme.

وقد يترجم بالأنموذج، وقد يعرب بـ >البراديكمات< أو >البيريدايمات<.

(44) Epistèmé.

(45) E. Turn -F. Tournure.

(46) L. Ecole  des Annales.

(47) Longue durée.

(48) Courte durée.

(49) Coupure-Discontinuity (é) E.F.

(50) Retativisn (e). E.F.

(51) Essentialism (e). E. F.

(52) نُشِرَ هذا البحث في مجلة >مدارات فلسفية< التي تصدرها الجمعية الفلسفية بالمغرب، ثم نشر في كتابنا: >رؤيا التماثل< الذي أشرنا إليه مراراً.

(53) Raymond W. Gibbs, J.R., The Poetics of Mind. Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge , University Press, 1994.