|
تعقيب د.
نسيمة
الغيث
على
دراسة
الأستاذ
الدكتور
شربل داغر
بعنوان:
تيارات
ومدارس
الشعر
العربي
الحديث
السيرة
الذاتية
للدكتورة
نسيمة
الغيث
أبدأ
بحمد الله
تعالى
والشكر له،
ثم أتوجه
بالشكر إلى
>مهرجان
القرين<،
ماثلا في
إدارته،
بالمجلس
الوطني
للثقافة
والفنون
والآداب،
وأخص
بالتقدير
اللجنة
التي
اختارت
عناوين
القضايا
الأدبية
المثارة في
ندوته،
لمراعاتها
البُعد
القومي في
هذه
العناوين،
كما أثمن
الجهد
العلمي،
والتواضع
الخلقي
الذي صيغت
به مادة هذا
الموضوع: >تيارات
ومدارس
الشعر
العربي
الحديث<.
ولقد
دلّت
إشارات
عديدة،
فضلا عن هذه
القائمة من
المراجع
الشاملة
السخية،
على ما أحاط
به الدكتور
شربل داغر
من معرفة
واسعة،
فضلا عن
خبرة عميقة
أعانته على
أن يرصد
الفروق
الدقيقة،
فيميز بين
المتشابهات،
والمتقاربات،
وأن يخوض
بقارئ
دراسته
الهادئة
تيارات
كانت في
أمانها
صاخبة،
ولعل صخبها
لا تزال
أصداؤه
تتردد في
المحافل،
فضلا عن
الدراسات
حتى اليوم،
وأشهد له
بدماثة
الخلق
شخصيا، وإن
لم تكن بيني
وبينه
معرفة
مباشرة،
كما أقدر
موضوعيته،
ولماحيته،
وهو يختار
مواقع
كلماته،
ومن قبلها
يختار
المساحات
الزمنية
التي يتوقف
عندها،
ويسلط
عليها
أضواءه
الكاشفة،
فنحن نعرف
أنه ما كان
باستطاعته،
ولا
باستطاعة
غيره، أن
يغطي هذا
الزمن
المترامي
الذي
يتجاوز
القرن من
الزمان، في
هذا العدد
المحدود من
الصفحات،
حتى إن
اقتصر على
العناوين
الكبيرة،
وأغفل
الكثير من
التفاصيل.
لن
أعتبر
الباحث
الدكتور
شربل داغر
مسؤولا عن
اختيار
العنوان،
فالذي
أتوقعه أنه
أُبلغ به
هكذا، وأنه
تقبله كما
هو، وواجه
موضوعه
بهذه
الأوراق
العشرين
التي بين
أيدينا،
وإنني لعلى
ثقة بأنه لو
أتيح له
الوقت
والمساحة
لكتب في هذا
الموضوع
سِفْرا
كاملا،
ولبدأ طرحه
بأن يفرِّق
بين >التيار<،
و>المدرسة<،
وأن يفرِّق
مرة أخرى
بين >الحديث<،
و>المعاصر<،
وأن يفرق
مرة ثالثة
بين الجهود
الإبداعية
للشعراء،
والجهود
العلمية
التنظيرية
للنقاد
والمفكرين،
ولكن
الأستاذ
الباحث لم
يفعل، وكان
لديه أكثر
من سبب لئلا
يفعل.
إن من
واجب هذه
الدراسة
البديعة
علينا، أن
نتعرف على
مسارها،
ودروبها،
ومنجزاتها،
قبل أن نطرح
بعض
الأسئلة
الضرورية
حولها، ليس
من باب
المجادلة،
إنما من باب
التقدير
لهذا
الأداء
الموفق،
والشعور
نحوه
بالاحترام
والجدية.
لقد
بدأ الباحث
بمقدمة
موجزة توجز
جوانب
الصعوبة
التي
واجهها،
وقد اكتفى
منها
بأربعة:
فالخريطة
ليست
متوافرة،
والسبل
ليست معبدة.
كما أنه إذا
كان مطلوبا
من الدارس
أو الباحث
أن يقوم
بالمهمة
الصعبة. وهي
تصنيف
الشعراء،
فإن
الشعراء
أنفسهم،
إذا ما
سألتهم كيف
يتصور
أحدهم
شعره، أو
يصف فنه،
وموقعه في
سياق النوع
الشعري،
فإنه
يتلعثم،
وقد لا يعطي
قولا مفيدا.
ثم يذكر
الباحث
الفاضل
صعوبة
ثالثة
ماثلة في
غياب
الأيديولوجيا
العربية،
والتداخل
الذي قد يصل
حد
الامتزاج
بين
الثقافة
والسياسة،
ثم يختم
بالسبب
الرابع،
وهو غياب
الحدود
الفارقة
بين التيار
والمدرسة.
هذه هي
المعوقات
أو
الصعوبات
الأربعة
التي
اعترضت
سبيل
الباحث أو
البحث،
والتي
رأينا أنه
استطاع أن
يتجاوزها،
أو
يجتازها،
بكثير من
لباقة
الأداء،
ومهارة
التنقل بين
العناصر
المكوِّنة،
والمؤثرة
في الشعر
العربي
الحديث.
والآن..
نستطيع أن
نلقي نظرة
طائر على
الخطوات
الثلاث
التي شكلت
مادة
الدراسة،
ووفت فيها
حق عنوانها
عن
التيارات
والمدارس.
الخطوة
الأولى
بعنوان:
مذاهب ضمن
المثاقفة
الخطوة
الثانية
بعنوان:
الأيديولوجية
والحداثة
الخطوة
الثالثة
بعنوان:
التكثر
والمباينة
إن ما
يعنيه
بعبارة: >مذاهب
ضمن
المثاقفة<
هو الرصد
والتعريف
بالدراسات
التي دعت
الشعراء
العرب >في
العصر
الحديث<
إلى
الاهتمام
بالشعراء
الغربيين،
بخاصة
شعراء
الرومانسية،
والرمزية،
واتخاذ
أساليبهم
طريقة
لتجديد
الشعر
العربي،
وقد اتخذت
هذه الدعوة
أكثر من
سبيل، فقد
تكون
تعريفا
بالمذهب
الشعري
الغربي، أو
تعريفا
لشاعر
معين، أو
ترجمة
لأشعار
مختارة. كما
أن هذا
الضرب مما
دعاه
مثاقفة،
وهو كما
رأينا يعني
التأثر
بالآداب
الغربية
على النحو
الذي يقرره
علم الأدب
المقارن،
قد يتحقق
بجهود
الشعراء
العرب،
بعبارة
أخرى، لم
يكن وقفا
على
المفكرين
والنقاد.
أما
الأيديولوجية
والحداثة،
فإن أول
إشارة في
صدر هذه
الفقرة
الموجزة أو
الخطوة
القصيرة
تحذير
وتوجيه
يقول: إن
الأيديولوجية
والحداثة
تندرجان
ضمن سياق
التمثيل
الذي وسم
المثاقفة
العربية في
تفاعلها
وانفتاحها
على غيرها
من ثقافات
وآداب
وفنون.
هكذا
يرى الباحث
الفاضل،
وهذا حقه،
كما أن من
حقنا أن
نتساءل: إذا
كانت هذه
الخطوة عن
الأيديولوجية
والحداثة
تندرج في
سياق
الخطوة
السابقة عن
المثاقفة،
فما الداعي
إذن إلى
انفرادها
بعنوان
مستقل،
وخاصة أنها -
كما أشرت -
خطوة قصيرة
لا تزيد على
صفحتين إلا
بضعة أسطر؟
مهما
يكن من أمر
لا نبالغ
فنقول
بفساد
القسمة، أو
أنها
متعسفة،
ولعل
الأوفق أن
نقول: إن
منطق
التكامل
كان يستدعي
عناوين
أخرى،
لأننا نعرف
أن المقابل
للمثاقفة
هو العكوف
على التراث
إذا شئت، أو
دعاوى
الأصالة إن
أردت، أما
المقابل
للأيديولوجية
(وهي هنا
بمعنى
المذهبية
أو العقدية/
العقائدية)،
فإن
مقابلها
الفنية أو
الحرية،
إذا ما كانت
الأيديولوجية
تعني
الالتزام
بالمعتقد
أو المبدأ.
ثم
تأتي
الخطوة
الأخيرة -
الختامية -
التكثر
والمباينة،
وهنا أرجو
أن أكون قد
وفقت في فهم
هذا
العنوان:
التكثر
والمباينة،
الذي لا أجد
له سابقة،
أو شبيها في
دراسات
أدبنا
الحديث على
كثرتها،
أما ما
فهمته، أو
ما حاولت
فهمه، فهو
ما يعنيه
يقظة ذات
الشاعر،
ومحاولته
أن يصوغ
قصيدته حسب
ما يجاري
ذوقه وفهمه
وإحساسه
الجمالي،
وستكون
محصلة هذه
الخطوات
الثلاث أن
الشاعر
العربي -
طوال ما
يندرج
زمنيا تحت
مسمى العصر
الحديث - لن
يكون إلا
واحدا من
ثلاثة، فهو:
إما
شاعر
مثاقفة
يتطلع إلى
نموذجه،
وقدوته في
الآداب
الغربية.
وإما
شاعر
أيديولوجية،
فهو يعبر عن
إيمان
بمبدأ أو
قضية نابعة
من تاريخه
أو مجتمعه،
فهي توجه
شعره بعيدا
عن النموذج
الأوروبي.
وإما
شاعر
مباينة،
يبذل جهد
صناعته
الشعرية
معبرا عن
أصالته
الذاتية،
الفردية،
أو أصالته
الإبداعية
المتمثلة
في موروثه
البلاغي،
بمعنى أن
يكون شعره
صورة نفسه،
أو أن يكون
شعره
متمثلا قيم
البلاغة
العربية،
كما تناهت
إلينا عبر
العصور.
هذه هي
الأقسام
الثلاثة
التي ارتأى
الدكتور
شربل داغر
أن
باستطاعتها
أن تستوعب،
وأن تبسط في
الوقت
نفسه،
تيارات
ومدارس
الشعر
العربي
الحديث على
مدار أكثر
من قرن من
الزمان. وفي
حدود عشرين
صفحة لم
تزد، فإنني
أشهد
للباحث
بالمهارة،
والقدرة
على الجمع
بين
الإجمال
والتفصيل،
وتكثيف
الإشارات
وتركيز
الأفكار.
مع
هذا، وكما
نعرف
جميعا، فإن
اختلاف
النظر يغني
ولا يضر،
ونقد النقد
خطوة
مطلوبة
لتأكيد
النقد قبل
أن تكون
مطلوبة
لتصويب
الإبداع،
ولن تحول
إشارتي
الآتية،
العابرة،
إن شاء
الله، دون
صدق
الإعجاب
الذي عبرت
عنه، وقد
سبقت
الإشارة
إلى غياب
التفريق
بين التيار
والمدرسة،
واختلاط
الحديث
بالمعاصر،
وعدم
التمييز
بين جهود
الشعراء،
وجهود
المفكرين
والنقاد - ثم
تبقى أمور
أخرى، من
أهمها:
1-
أنه لم يتخذ
مقياس
عنايته
بالمواقف
ترتيبا على
الجهد
العلمي
والسبق
الزمني،
وهكذا أهمل
تماما أسبق
الدعاة
العرب إلى
المثاقفة
وهو الناقد
قُسطاكي
الحمصي،
مؤلف كتاب >منهل
الورّاد في
علم
الانتقاد<،
وقد ألفه
عام 1906 - وكذلك
منح
عبدالرحمن
شكري سطرا
أو بعض سطر،
على أهميته
البالغة في
تأسيس
مفاهيم
التجديدالشعري
في العقدين
الأول
والثاني في
القرن
العشرين.
2-
لم يحرص
الباحث على
رعاية
التعاقب
الزمني في
رصده،
وعرضه
لجهود
المجددين
من
المبدعين
والنقاد.
وهذا
التعاقب
مهم جدا،
لأنه يحدد -
بما لا يدع
مجالا
لتأويل - أين
كانت
البدايات؟
ومن
الأسبق؟...
إلخ، فبعد
روحي
الخالد (1913)،
يأتي نقولا
فياض (1938)، من
بعده غطاس
كرم (1947)، ثم
نعود إلى
ميخائيل
نعيمة،
وأبي شادي (1926)،
ثم محمد
مندور في >الميزان
الجديد< (1944)،
وهكذا لا
يستقر نظر
المتلقي
على بداية
تتطور،
ودعاوى
تتبرعم، ثم
تثمر،
وإنما يظل
يلاحق
حركات تبدو
منفصلة،
متباعدة،
بل أحيانا
متقاطعة.
3-
في عرضه
للأيديولوجية
أشار إلى
ثلاثة
اتجاهات
حصر فيها
هذا النشاط
المذهبي هي:
القومية
السورية
الاجتماعية
(حزب أنطون
سعادة)،
فالماركسية،
ثم أخيرا >القومية
العربية<.
وهنا
لنا أكثر من
ملاحظة...
فقد
يبدو له
الحزب
القومي
السوري
مهما جدا،
وخاصة إذا
كان له
إنتاج
متميز
ومؤثر في
مجال
الإبداع
الشعري،
ولكنه - وهو
حزب مرحلي
قصير
العمر،
محصور
التأثير،
أو محاصر
بشعراء
لبنان
وسورية فقط -
قد أخذ من
العناية
فوق ما
يستحق، في
حين اختصر
الحديث عن
القومية
العربية،
ولا أدري
لماذا؟ ولا
أريد أن
أقول له إن
شعر الخليج
العربي
طوال النصف
الثاني من
القرن
العشرين هو
في جملته
شعر قومي،
واقرأ معي
ديوان أحمد
السقاف،
واقرأ إذا
شئت
دواوين،
محمد
الفايز،
وديوان
خالد
الفرج،
ودواوين
علي
السبتي،
وخليفة
الوقيان.
بل
سأمضي مع
البحث إلى
الغاية،
وأقول: لعل
الأستاذ
الفاضل لم
يأخذ علما
بأن في
الخليج
شعراء
جديرين
بالعناية،
من ثم
أتساءل: كيف
يغفل البحث -
في مجال
الشعر
القومي -شاعرة
مثل نازك
الملائكة،
وشاعرة في
حجم فدوى
طوقان،
وشاعرا
متميزا مثل:
محمود حسن
إسماعيل؟
بل لعل
الشاعرتين:
نازك وفدوى
تنبهان إلى
سكوت البحث
عن الإشارة -
ولو مجرد
الإشارة -
إلى الشعر
النسائي،
وهو ظاهرة
جديدة،
ومدرسة
أيضا، كما
لا يغيب عن
الفطنة.
4-
وأخيرا،
فإنني أريد
أن أمضي مع
الأيديولوجيا،
وهي تتحرك
ما بين
القومية
السورية،
إلى
الماركسية،
فالقومية
العربية.
وهنا ألا
نشعر بغياب
قسم رابع هو
الدعوة
الإسلامية؟
إن شعراء
التكثر
والمباينة
في جوهرهم
أصحاب
نزعات
إسلامية،
وهنا
أستشهد
بشعر شوقي
الإسلامي
في دولة
الخلافة،
وفي
المدائح
النبوية،
وشعر حافظ
إبراهيم في
مطولته
الملحمية >العمرية<،
وشعر أحمد
محرم،
والإلياذة
الإسلامية،
وشعر
الشاعر
الجزائري
الكبير
مُفدي
زكريا، هذا
فضلا عن
الشعر
الصوفي
الواسع
الانتشار
في السودان
والمغرب
وغيرهما من
المجتمعات
الأفريقية
الإسلامية؟
هذه
ملاحظات لا
تقلل من
جمال ما
قرأت
للأستاذ
الدكتور
شربل داغر،
ومن إعجابي
بقدرته على
الإحاطة
بموضوعه في
الحيز
المحدود من
الصفحات،
ولعله محق
في تسليط
الضوء على
شعراء
أقاليم
بذاتها،
وأتمنى في
بحثه
القادم، أن
يوزع
أضواءه على
مساحات
تستحق
العناية.
إنني
أجدد الشكر
له،
ولحضراتكم
على
المتابعة..
والسلام
عليكم
ورحمة الله
وبركاته
د.
نسيمة
الغيث
أستاذ
مساعد
الأدب
العربي
والنقد
قسم
اللغة
العربية
وآدابها
كلية
الآداب -
جامعة
الكويت
|