بحث الشعر العربي الحديث..

الضرورة والاستمرار بقلم: أ. عباس بيضون

 السيرة الذاتية للأستاذ : عباس بيضون

 الشعر العربي الآن: مسائل وملاحظات

 يسود اليوم رأي بأن الشعر يتقهقر. رأي قلما يناقشه أحد ويؤخذ على عواهنه. إذ السائر اليوم هو أننا في زمن ترد وتراجع، وما يصح على السياسة والاجتماع والثقافة في جملتها يصح على الأدب وعلى الشعر بوجه خاص، ليس المطلعون أقل حيرة تجاه الشعر الآن من غير المطلعين، إذ حين نقرأ واحدة من افتتاحيات جمال الغيطاني في أخبار الأدب، وهو مفتون بالشعر، نفهم أن قصيدة النثر بالشعر. الشعراء الأكبر سناً وشهرة يزفرون أيضاً ضيقاً. يقول أدونيس إن قصيدة اليوم من حيث الرؤية والفكر عمودية. أما محمود درويش الأقل ميلاً إلى التنظير فقد أعاد الآن ما علا في صدره منذ 20 عاماً تقريباً >أنقذونا من هذا الشعر<. لن نحصي من اعتبروا - ولو بعد لأي - أن القصيدة الحديثة كلها أكذوبة كوضاح شرارة مثلاً أو الغذامى على فرق ما بينهما. المهم هو أن أحداً لا يقاوم أطروحة أن الشعر في انحدار، وأن هذا الرأي يكاد يصبح عاماً، وفي حال كهذه يروج من دون تمحيص. لن نطرح السؤال الآن إذا أمكن أصلاً أن يطرح سؤال كهذا. لكن نفضل أن نبدأ من أطرافه. القول إن ثمة قهقرى يفترض تاريخاً للقصيدة الحديثة يمكن فرز مراحله وتميز قديمه من حديثه. يفترض أن القصيدة الحديثة كونت مرجعية كلاسيكية لها واختطت مثالات ونماذج يمكن القياس بها أو عليها أو عنها أو منها. نصف قرن وأكثر تبدو كافية لتميز حقبة أدبية لكن القصيدة الحديثة بكل تاريخها لا تزال في الميدان. إنها أربعة أو خمسة أجيال شعرية تعمل معاً.. جيل الرواد نفسه لم يتحول تاريخاً. غاب البعض وصمت البعض لكن أدونيس والماغوط وأبي شقرا وحجازي ورفقة ما زالوا يكتبون وما زالوا يراجعون أعمالهم وتنظيراتهم. الرواد هم السابقون، والسبق ميــــزة لا تؤهل أصحابها بالضرورة ليكونوا كلاسيكيي المرحلة ومرجعياتها ومثالاتها، وإذا كان الجميع في المعمعة، فإن تصدّر الرواد لا يزال إلى الآن لسبب السابقة الزمنية، وإذا تعورف على الرجوع إليهم فليس ذاك إلا بسبب هذه السابقة، وبسبب أن تزامن وتجاوز أجيال عدة لم يسمحا حتى الآن بتحقيب وتأريخ. كثيرون لا يجدون للرواد سوى الأقدمية ميزة، لكن الانشغال النقدي المتركز عليهم والمراجعات النقدية تقول غير ذلك. هذا بحد ذاته لا يقرر شيئاً. إنه فقط يشي بتأخر النقد الشعري وبتجاهله للأجيال المتقادمة تجاهلاً هو غالباً بنسبة تأخرها أو تقدمها، هكذا لا تحظى الأجيال الأخيرة بنظر نقدي. عدّ الشاعر نوري الجراح بعض شعراء الجيل الثاني رواداً جدداً، هكذا تتحول الريادة مرجعية مرة أخرى ويتدارك نقصها بإضافة آخرين إليها. الأغلب أن الريادة ظاهرة لا تتكرر في الزمن مرتين، لكن سابقتها لا تتحول تصدراً ولا تغدو قيمة بحد ذاتها إلا في ذهن موروث ما زال يعطي الفضل للأولين على المتأخرين، وهذا الذهن هو الذي أعطى الجاهلية الأولى فضلاً على ما تلاها وتفوقاً. ذلك بقي نظرياً ولم يحل دون التجويد الأموي والعباسي، وأحسب أننا في تحويل الريادة إلى قيمة نفعل الشيء نفسه. أريد أن أبقى في المبدأ وإلا فإن الرواد لا يستوون في كفة واحدة، فيهم الفاضل والمفضول وفيهم المجيد والعاطل. ثم إنهم ليسوا جميعاً مؤسسين، بل إن التأسيس لا ينحصر فيهم وفي طبقتهم. الأرجح أن في اجتماع خمسة أجيال ما يوحي بأن فترة التأسيس طالت إلى ما بعد الرواد، هذا إذا كانت انتهت فعلاً. لنقل باختصار أن الريادة والمرجعية والتأسيس ليست واحداً. وإنها قد تبدو كذلك لأن تاريخاً فعلياً للقصيدة الحديثة لم يوجد أو لعله قيد الإنجازات. وفي غياب تاريخ كهذا ستظل السابقة هي الأساس وسينوب التراتب الزمني عن الفرز التاريخي. شيء كهذا يبقى مدرسياً وليساعد على ترتيب الذاكرة، أما أن يتحول إلى معيار وإلى مفاضلة وإلى مصدر قيمة فذلك هو الكسل النقدي، بل هو قيام الحكاية مقام التاريخ وقيام العرف والمواصفات الاجتماعية مقام الثقافة. لا أشك في أن هذا الكسل موفور عندنا وبأكثر مما نريد أو نستحق. لنعد إلى القول بأن الريادة غير المرجعية وغير التأسيس، ليس قليلاً ألا تكون الريادة سوى تمهيد وتبشير والتأشير إلى أفق ووجهة فيما يتكفل ما بعدها بالتأسيس والإنجاز.

كل هذا في المبدأ لنخرج إلى القول بأن الكلام عن التقهقر في الشعر يستلزم التوضيح: قياساً على ماذا وبالنسبة إلى ماذا؟ وإذا لم يقترن بتوضيح ذلك فذلك يعني أن في سريرته هجساً بأن للريادة سبقاً ليس في الزمن فحسب بل في المقام والمستوى، وأن للأوائل فضلاً على الأواخر.

تواطؤ الكثيرين على القول إن الشعر في تقهقر لا يعني أنه صحيح، أحسب أن القصيدة الحديثة منذ بدئها لا تزال تعد تقهقراً للشعر. وما يقال عن الشعر الآن قيل مثله وأكثر في أول أطوار التجديد، ذلك يعني أن حركة التجديد كلها لم ترق لجمهور المثقفين ومحبي الشعر، ولم يفوت هذا الجمهور فرصة للارتياب فيها. انسلاخ القصيدة الجديدة عن الجمهور جرح لم يغفره الجمهور إلى الآن، قبل على مضض بيد أن التجديد الشعري ظل بالنسبة إليه خيانة حقيقية. لقد عاش جمهور المتأدبين وصغار المثقفين في حلم قومي كان بالدرجة نفسها حلماً حربياً. للشعر فيه دور مرسوم هو التحريض والحماسة، وقد تنكب الشعر الجديد تقريباً عنهما، لم يكن بين طبول الحرب الخياليـــة ولا أبواقها فافتقده الجمهور ولم يسامحه على غيابه.

كل هذا يعني أن مقولة الشعر في تقهقر مردودة شكلاً كما يقول المحامون. ولكن هذا لا يثبت العكس بالضرورة، بل لا يثبت شيئاً. إنه يرد دعوى غير مشروعة ولا ينفيها، هذا بالطبع ليس إلا نقاشاً في المنهج لا ينفع إلا في ردع الشائعة الثقافية والمزاج العام عن أن يبدو في مظهر قضية أو مسألة. إلا أننا لا ننتهي من نقطة المنهج هذه قبل أن نقول إن الشعر كله في تقهقر في الآداب كلها. ولا شك في أن للتجديد والحداثة مسؤولية في ذلك قد تتلخص في أن الشعر لحق بثقافة تشكيكية نقدية متشائمة بل يائسة أحياناً. هكذا غاب عن دور اضطلع به منذ كان وهو مديح العالم وزرع الأمل. هناك بالطبع أسباب أخرى كثيرة، لكن صلب المسألة هنا فإذا جرى الحديث عن تراجع الشعر في مناخ تراجع عام بدا هذا إدانة لطور من أطوار الشعر، فيما المسالة أكبر من ذلك وتتعداه.

ثم إن هناك على الطريق ملاحظة أخرى هي على نمط استهلاكنا الثقافي، فالشعر الجديد انطلق عندنا، كما تنطلق كل موجاتنا الثقافية والفنية وفي كل المجالات، من جملة مفاتيح يفترض واجدوها لا موجدوها بالضرورة ومتلقوها أنها أكيدة وأنها أخيراً جاءت بالحل وأنها تامة. هكذا يكتمل بسرعة نموذج لا يلبث أن ينتصب نمطاً ويجري عليه الجميع ويستحيل مرجعاً ومثالاً. يجري التلامذة على كعب الأساتذة من دون حاجة إلى التوليد وإعادة التجريب فإذا وصل الأساتذة إلى غايتهم وقف الأمر عند هذا الحد ودخل العمل كله في تنميط وتكرار بلا نهاية، عندئذٍ نفهم أن ما ظنناه انقلاباً لم يكن إلا همّ جيل أو جيلين، وأن الاستهلاك سريع أدى إلى الاستنفاد. هكذا حصل مع قصيدة التفعيلة التي لم تنتج اسماً كبيراً بعد جيلها الثاني وهكذا حصل مع المدارس المختلفة للفن التشكيلي، وهكذا يحصل الآن مع الموسيقى وحصل كل مرة تقريباً مع النقد الأدبي والتنظير السياسي... إلخ، إنها دائماً موجات تبدأ وتستأنف البدء من دون تصاعد ملحوظ أو تراكم كافٍ أو تواصل. تعاقب أكثر منه استمراراً، يؤشر ذلك إلى مأزق الثقافة كلها، تأخر منتظم يزداد توسعاً وسيادة لأنماط شعبوية وتعميم سريع لأنماط أدبية وفكرية. إنه دائماً البحث عن المفتاح الوحيد أكثر منه الاستمرار في المغامرة والاستطراد فيها.

- 2 -

بخلاف المشهور والسائد كان الشعر هو الأكثر تأخراً عن اللحاق بما سمي >الحداثة<. أخرته تقاليد لم تكن في الرواية أو الرسم أو الأبحاث، فكل هذه بلا سابقة، أو هكذا افترضت وتقبلت بتفاوت المثال الغربي، أما الشعر فليس هذا شأنه. كانت هناك مع الشعر المهجري ومدرسة البيان المصرية وإلياس أبو شبكة وسعيد عقل محاولات متحفظة تحاول أن تطعّم الشعر بجدة لا تخل ببنيانه؛ كانت الغاية استقلال القصيدة بتحريرها من المناسبة، وتقديم الداعي الداخلي، وهلهلة اللغة أي الخروج من الفصاحة العباسية إلى نوع لغة سائرة. مع ذلك بقي الشعر أميناً لغنائه الأصلي الذي يبدأ من ذروة عاطفية واستنفاد للحالة والمعنى أي من إيجاب كامل بحت. بقي الشعر فضاءً واحداً وزمناً متردداً متكرراً لا يمكن معهما التدرج أو التقطع أو التعدد. إنها المرآة الواحدة والكلام الواحد والمتكلم الواحد. تأخر الشعر في اللحاق أو لحق بخطوات ناقصة، لذا بدت حركة الشعر الحديث ساعية إلى التعويض عن تأخرها بإعلانات راديكالية. لقد سمت التحاقها بالحداثة ثورة، الأمر الذي لم تدّعه الرواية أو الفن التشكيلي مثلاً. تكلمت عن التخريب والتفجير اللغوي والقطيعة مع الأب التراثي ومع الماضي، بل بدت في بياناتها طامحة إلى اعتبــــار نفسها الثــــورة الأم أو الثـــورة بذاتها، لا نعرف بياناً روائياً مماثلاً وليس من الصدفة أن بيانات القطيعة كانت شعرية فيها تضمنت بيانات الفن التشكيلي، على سبيل المثال، في الغالب إلحاحاً على التواصل مع الماضي.

لقد عشنا في مناخ هذه البيانات التي كانت في قسم منها زبداً، وقلماً يتسنى لنا أن نتحقق من المنجز الفعلي النظري والإبداعي، لم تحدد الحركة الشعرية الحديثة كحركة اتجاهات واضحة، قام بها يسار عراقي / مصري ويمين لبناني/ سوري، بمعنى اليمين واليسار في تلك الآونة. لم يمل المصريون والعراقيون إلى التنظير كما مال اللبنانيون والسوريون، الجامع بالتأكيد هو دفع القصيدة إلى المطابقة مع المثال الغربي من دون تحفظ، عدا ذلك لم نعرف للحركة شعرا كحركة دعوى فلسفية وشكلية واضحة. كان لجماعة >الشعر< كلام ثوري مستلهم من السيريالية، تخريب، تفجير، البدء من دون أب، لكن هذا الكلام يبدو مفارقاً إذا علمنا أن الثورة المطلوبة كانت خالية من أي اعتبار سياسي اجتماعي. كان اسم الثورة كافياً، لكن الجماعة المعادية للماركسية بقوة يومذاك والتي يمت بعض أفرادها إلى اتجاهات شبه فاشية وجدت الثورة في نوع من تغن حرفي بالرفض والحلم بولادة جديدة، ولادة من غير أب بعد تفجير أو تخريب أو إحراق سدومي للحاضر الموروث وللماضي المستنقع فيه. الأرجح أن هذه القطيعة كانت مع التراث العربي الإسلامي، فيما بدت العودة إلى ما وراء هذا التراث، أي إلى أساطير المنطقة تعويضاً ملائماً. لنقل أن هذه الثورة المزعومة ترافقت مع مجافاة للسياسة بجملتها، وفصل بين الشعر والسياسة بحيث بدت الثورة الشعرية بديلاً ثورياً كاملاً، وسيجد هذا ترجمته في سعي الشعر نفسه إلى أن يكون بياناً شاملاً طارحاً لفنه بذلك بديلاً عن الثقافة بكاملها وعن الثورة أيضاً. مع ذلك لا نجد سوى دعوى حرة وتحريض على المغامرة لكن من دون أي تحديد، فالثورة في اللغة تكتفي بالاسم ولا ترخصه في محاولة للنظر مثلاً في صراع العامية والفصحى أو العلاقة بالأشكال الغنائية التقليدية أو اللغة الشفهية. كما أننا على رغم التفعيلية أو قصيدة النثر لا نجد أي نظر واضح في مسائل الشكل أو الإيقاع. هناك بالطبع اتجاهات فردية لدى الشعراء لكنها لم تصنع حركة، فهذه بقيت ضائعة بين شكلانية تجرد الشعر من أي قصد أو محتوى واستبدالية تصنع الشعر بديلاً عن الفلسفة والتاريخ والسياسة. في كل الأحوال نتعجب من  خلو الدعوى الحديثة، عدا لفظية التحديث والتغيير، من أي أفكار تفصيلية، إذ لا نجد في الواقع غير البراءة من الماضي أو الدعوى إلى الحرية أي مقومات أخرى، لكننا مع ذلك نجد عدداً من النواهي الواضحة، فالأرجح أن رفض السياسة كان نوعاً من دخلنة للشعر ورفضاً إلا للحدث الداخلي. وربما كان تبني السيريالية وإن من دون يساريتها عنى حصر الشعر في دفق اللاوعي واستبعاد الواقع والخارج، أي عالم الأشياء والأحداث، عن الشعر. هكذا غدا للشعر مفهوم ضيق، وانحصرت الحداثة في المونولوج الداخلي والتجريب اللغوي.

ما تقدم هو بالتحديد حصاد المدرسة السورية / اللبنانية ومجلة شعر، لكن هذا الخليط النظري ليس كل ما قدمته شعر، لقد كان أجل ما صنعته ترجمات شاسعة لشعراء العالم، هذه الترجمات كانت بنت يومها، فقد قدمت على سبيل المثال برس قبل أن يفوز بجائزة نوبل، وأكتافيوباره وهو بعد في شبابه، والسيريالية الفرنسية وولت ويتمان، وسلفاتورة كوازيمودو، وبالطبع لوركا ونيرودا... مهما يكن من أمر هذه الترجمات فقد أشارت إلى أن العالمية كانت حلم شعراء >شعر< الأول، وكان الحضور بموازاة المجريات الشعرية العالمية في أساس مشروعها. وربما لذلك اندفعت في سبيل ذلك من دون مبالاة بالتقليد، ربما لذلك كانت القطيعة نوعاً من الولادة العالمية.

ليست المدرسة العراقية في الحركة الحديثة عن هذا التنظير، لم تكن معنية بلغة القطيعة والتخريب والتفجير والولادة العالمية، قيل الكثير عن شبهة إليوتية وستويلية في شعر السياب، وترجم سعدي يوسف جانباً من شعر العالم، لكن إعلاء اللغة وتحويلها لم يصل في الشعر العراقي إلى حد التبرؤ من المادة الأولى. كان في هذا الشعر بقايا من أمكنة وسيرة وحكاية وذكرى واقع وأشياء وثقل مادي وبيئة وطبيعة وسياسة أيضاً. لم يكن الخارج معيقاً للغناء كلياً ولم تكن السياسة منافية للشعر في حين أن تراث >شعر< الأساسي كان في دخلنة العالم الكلية وإعلانه وتطهيره من كل مادة أولى. كان شأن قصائد موضوعها الذات في كليتها والعالم، بحملته واللغة في تمامها. قصائد كانت في شمولها بعيد تعريف الشعر على أنه تغريب وكيمياء ومونولوج داخلي وتحله محل التاريخ والثقافة والسياسة والثورة وربما محل اللغة كلها.

- 3 -

يمكننا أن نتكلم عن موجة أدونيسية في السبعينيات، في مصر والمغرب والعراق وجزئياً في سورية ولبنان، كان أدونيس المرجع الشعري والنظري وحتى الفلسفي، عنواناً لما يرجع إليه وما لا يرجع. لقد لبت الأدونيسية بالتأكيد حاجة جارفة لم تتوقف كثيراً أمام إشكالياتها. هي بالتأكيد قادرة أكثر من غيرها على إيجاد حداثة ذات عراقة كلاسيكية، وأن يكون أدونيس لذلك أول كلاسيكيي الحداثة. إغراء دعا الجميع إلى أن يلبوه من دون الخوف من مجازفة كبيرة قادرين هكذا على التوفيق بين قطيعة راديكالية مفترضة وموازين تراثية. لقد تجاوزت الأدونيسية الهلهلة اللغوية للمهجريين، التي بقيت تراوح، نحو لغة باروكية يتفتح طريقها البلاغي ويتناسل إلى ما لا نهاية. يمكننا القول إن مرحلة وجدت لغتها وزيها الأدبي فالأدونيسية هكذا تحرر اللغة من أي إدانة ومن كل تزمين وتردها ذاتاً جماعية وفردية، ذاكرة ومستقبلاً، أصلاً وأفقاً. أي أنها لحظة التقاء الفردي بالجماعي، التقاء الفرد بالتاريخ والذاكرة بالمستقبل. أي أننا كنا في لحظة اكتفاء وامتلاء نادرة، فهنا يبدو إمكان التاريخ وإمكان الثقافة وإمكان الروح. لا تغدو الأدونيسية موجة طاغية إلا بهذا الوعد، توحيد كل شيء والإيعاز بمشروع كلي. هنا كانت الحداثة تبدو وكأنها تسير فعلاً على عجلات والذات في لحظة تحقق والإيمان شبه النيتشوي بالتجاوز. لقد كان الملحمة في الانتظار والانتشار والتوسع والتفتح اللانهائي، لقد كان مهيار بالتأكيد بطلاً، إذ هي اللحظة التي تعود فيها اللغة أباً جديداً تغتسل ومعها التاريخ من كل موات وتحنط وتنفتح فيها المعاني الجديدة، معاني الآتي والمقبل، كان هذا تفجير اللغة وهو في الحقيقة تفجر اللغة التي تستعيد قدرتها الخالقة. ذلك بالتأكيد كان يعطي الشاعر والقارئ ريادة ليست أدبية فحسب لكنها تاريخية وحضارية وثقافية، بل ومن بعيد سياسية. لقد أنيط بالشعر هذا المشروع التوحيدي الوحيد الذي يحيي ويغيِّر. أنيط بالشعر تلك القوة التي تتجاوز الأدب إلى نوع من تطهير الواقع وإلى نوع من إنشاء دينامية تغييرية كاملة. ليس مهماً بالطبع أن نفتش عن أواليات عملية لذلك فهذا ما لم تهتم السيريالية بالبحث عنه ولم تهتم الأدونيسية كذلك. لكن الكلام عن دينامية وتوحيد لم يكن يحتاج إلا إلى هذا الإنجاز الذي هو استنفاد الذات في اللغة واستنفاد اللغة في نوع من التفجر النووي. لقد وجدت مرحلة كلمتها، كنا بالتأكيد في حاجة إلى ذلك للأم الذات المبتورة كما يقول شايهان وتحديد نقطة ابتداء وإيجاد إرادة أولى وإيجاد ملحمة معاصرة، أي أفق وجدوى ومعنى للصراع. ثم إن الشاعر بوصفه ذاتاً مفردة ويمكن أن تلحق به المثقف أيضاً، يستعيد هناك ذاته المفردة فحسب ولكن هيمنة خيالية وقدرة مزعومة على القيام بتبعات التاريخ.

صارت الأدونيسية عنواناً لما تريده وما لا تريده، غدت أحياناً، عنواناً لتمحّل لغوي ولي للعبارة وهذيان غير موزون، كما غدت عنواناً لسيلانات لغوية وشعرية فلكية بلا أي مركز أو نظم، كما غدت عنواناً لتفخيمات كلاسيكية وحنين قرآني أو عباسي بحت. بذلك أمكن للعيد أن يتنقل وللجميع أن يسعدوا بهذه المجرات الكلامية التي تعيد من جديد غسل الذات والذاكرة وتماهي الآن بالتاريخ والعالم الجديد والمشروع المستقبلي. للجميع أن يسعدوا بهذه السيمياء التي لا تحرر من الجمود فحسب، ولكنها تخرج من مراوحات النمو وأسئلته المعلقة وإشكاليته القاتلة إلى إعلان بداية وإلى فتح صراع له بالتأكيد ثمنه الفادح لكن أيضاً نبله مأساوي ومعناه البعيد. هذا تلخيص لا تسمح هذه العجالة بأكثر منه، لكننا ونحن نتحدث عن الشعر علينا الكلام بلغة أكثر تعييناً، أدى تكرار الأدونيسية في كل مكان وتبسطها وتسهيلها وتوسلها بفهم وغير فهم إلى رتابة شعرية وثقل شعري. لقد تراكمت تصورات ليس فيها غير ذهان لغوي ولا تملك من البداية غير استفراغ لغـــوي بلا أول ولا آخر ولا مركز ولا موضوع ولا فكرة ولا صورة، فالواقع أن النص الشيزوفريني يدخل نفسه في فصام لا يفتح أي حوار أو مخرج. تراكمت نصوص تملك فقط ادعاءً فوق شعري وفوق فكري وفوق أي شكل أو دلالة بحيث لا يبقى منه سوى قشرة متحذلقة متمحلة زاعمة مزعومة. لقد كان هنا التسهيل المفرط، الأرجح أن الترجيع اللغوي تحول بالطبع إلى ذاكرة ثانية. لقد عادت الفصاحة مجرد تصويت وها هي تتحول إلى تعويذ طلسمي. هكذا ندخل في سيمياء كاملة تقريباً. ويغدو الشعر مجرد ترجيع لإيقاع أصلي. انطلق أدونيس وحده وهو بالطبع صاحب تجربة كاريزماتية كانت بالتأكيد مخيلة مرحلة كاملة، لكن التجربة كانت من القوة بحيث استعارها الجميع اليوم، وبحيث اتكلوا عليها للبدء من النهاية. إذا كنا نتحدث عن التسهيل فينبغي ألا ننسى النمط الأدونيسي وقبله النمط القبّاني ومعه النمط اليوسفي وبعده النمط الدرويشي، فالحقيقة أن التسهيل هو دائماً في إيكال البحث والسر لعمل سابق والبدء من نتائج حاصلة، بل يمكن القول إن التنميط ليس بالطبع ذنب أي من الشعراء، فهو مردود إلى ما سميته في محل سابق من هذا البحث >كيفية استهلاكنا الثقافي< ما يعني ميلاً إلى اعتبار الثقافة تعليماً وعقيدة والعقود غالباً منها مقعد التلميذ والمؤمن، إنها نسبياً صفة أشباه المثقفين الذين يسودون لا ثقافتنا وحسب بل وحكوماتنا وأنظمتنا أيضاً.

- 4 -

هل القصيدة الحديثة مسؤولة عن طلاق الشعر والجمهور، والجمهور هو جمهور المثقفين، لم يعد الشعر عنصراً إلزامياً في ثقافة هؤلاء كما كان من قبل. كان تذوقه وروايته جزءاً من تربية المانداران الغربي، كما هو الأمر تقريباً بالنسبة إلى الخط عند المانداران الصيني أو حتى العربي في وقتٍ ما. لقد انفقد هذا المانداران ولم تبق قواعد واضحة لتربية مثقف حديث. عدا السياسة لا نجد في الواقع أي إلزام آخر، مع ذلك فإن الحنين إلى المانداران جزء من حنين إلى رموز موحدة أو نفترض أنها موحدة. لم يغفر المثقّف العربي للشعر الحديث أنه هدم هذا الرمز وأنه غدا ثقافة أقلّوية، لم يغفر له ذلك وبدا له أنه بانفراده يهدم ذاتاً عربية مزعومة ويهدم جسوراً للتواصل ويحرم العربي من حداء ضروري لمسيرته. ربما نفهم من ذلك لماذا ظل الاشتباه ثقيلاً بالحركة الشعرية الحديثة ولماذا اتهمت يوماً بالشيوعية ويوماً بالعمالة للأميركيين، ولماذا ظلت بالنسبة إلى كثيرين طارئة وأجنبية، بدا الشعر لكثيرين مرتداً وخائناً، فتحوله إلى لغة خاصة كان يحرم الجميع من بقاء لغة موحدة كان ترجعها وذكرها عزاء في سني القحط والجفاف والتراجع، وربما بقيت لكثيرين المحل الوحيد لحلم جامع وذاكرة مشتركة، يمكننا أن نفهم حزازة المثقفين ضد القصيدة الحديثة وإبقاءها مع استثناءات نادرة في هامش يضيق أو يتسع لكنه للآن لم يغدُ في كلاسيكيات الثقافة العربية ولا تراثها، الراهن.

مع ذلك فإن القصيدة الجديدة المنشقة كانت مع انفرادها وأقلويتها وربما للسبب نفسه قادرة على إنتاج حركة شعرية عربيّة جامعة، فالأرجح أن رقعة السجال والتفاعل لم تكن في يوم أوسع منها الآن أو أكثر مشاركة وشمولاً. وجدت ثلاث بؤر لهذه الحركة هي العراق بالغناء الصاعد من قلب المكان والطبقات التاريخية، ولبنان وسورية بالتجريب والباروكية البلاغية والوساطة الغربية، ومصر بواقعية ووضوح وضبط للخيال واللغة. هذه بالطبع توصيفات سريعة ومتواترة، مع ذلك فإن أياً من هذه المدارس لم تصمد في مكانها، كانت هناك باستمرار هذه الريح التي تنقل اتجاهاً من أرض لتزرعه في أرض أخرى. وكانت هناك أيضاً هذه القدرة على الانشقاق العنيف أو السلمي في كل مكان. لقد لاحظنا كيف انتقلت الأدونيسية إلى مصر والمغرب والعراق منزاحة هكذا بالتدريج عن بؤرتها الأولى. ثم يمكننا بالمقابل أن نلاحظ كيف انزرعت القصيدة العراقية اليوسفية غالباً في لبنان وسورية ومصر والمغرب، فيما كانت تواجه ردوداً أخرى في العراق. ليس اختلاط البؤر وحده الملحوظ بل امتداد الحركة إلى الأطراف وبزخم مماثل لما لها في البؤر الأساسية، إلى أن بدا أن صعيداً واحداً يشمل الأطراف والمراكز، وإلى أن المراكز تغدو بالتدريج تاريخية، في حين أن التفاعل والتجاذب يجريان على خارطة أخرى. كل هذا يرينا كيف أن القصيدة الجديدة كانت أيضاً جزءاً من حلم حديث قفز فوق الحدود واتجه دائماً إلى بناء خارطة خيالية توحيدية. لم يكن الشعراء العرب في يوم على هذه الدرجة من التعارف والتعاطي، على رغم أن الإقليميات الضيقة طالما كانت تخفي شعوراً متأخراً بالذنب لانقلاب على الآباء التاريخيين واستضافة آباء بدلاء مكانهم، هذا ما يفسر شوفينيات تأتي غالباً متأخرة وفي غير وقتها ومكانها. ففي لحظة بناء الدولة القُطرية يجري الانتباه المتأخر إلى صيانة الحدود. مع ذلك فإن التوحيد الشعري الذي يدور أحياناً حول أسماء كالحضور الخاطف لمحمود درويش يعني أيضاً إيصال الحركة بلغة مترحلة وسجال مترحل، ويطرح سؤالاً حول صلة هذه الحركة بيئات مختلفة. إذ لا نقبل سهولة بداوة الأنماط الشعرية وقدرتها على الانزراع في أي أرض من دون أي مقاومة كبيرة من تقاليد وتراث محلي ومن دون تكيف جدي لها مع المناطق الجديدة. ذلك يوحي بأن الحركة الشعرية شأنها شأن روافدنا الثقافية الأخرى عائمة وبلا جذور، قدرتها على التنقل والانزراع تلقي ظلاً على كل التراكم والتجذر الثقافي في راهننا اليوم، بل تلقي ظلاً على علاقة الأسئلة بالواقع وتشعرنا بوجود حاجز شبه فصامي بينهما. وإذا بدا لأول وهلة أن الشعر العراقي عراقي على نحو ما والتجربة السورية اللبنانية تجربة لبنانية سورية على نحو ما. فإن القدرة على الانتقال من دون تعديل أو تكييف تجعلنا نقلّل من تقدير المسحة المحلية، أو تجعلنا نشعر بأن التعميم والانتشار هما أيضاً من فقدان عناصر مقاومة وممانعة جديين في سجالاتنا الثقافية، مما يسهل  إنتاج ثقافات صورية وذات وجود شكلي إلى حد بعيد.

- 5 -

لا يبدو بيان الـ 1967 العراقي الذي كتبه فاضل العزاوي مع سامي مهدي واضحاً، لا نعرف إذا كان الغموض هو ثمن تسوية بين الشيوعي الذي سيغدو طريداً في ألمانيا والبعثي الذي سيستقر بين بارونات الحكم الصدامي. بالكاد نفهم أن البيان انقلاب على السيابية، ليس نقد سامي مهدي للسيابية فيما بعد ذا قيمة نظرية، لكن يمكننا أن نستخلص منه أن الرومانسية أضعف رواسب أو روافد القصيدة السيابية، وأن هذه القصيدة ليست حديثة بمقدار. في الغناء الذي لا ينزل كثيراً عن الذرى العاطفية والتدفق الأشعث والسليقة التي تربح أحياناً على البناء ما يفسّر ذلك. لا بد من أن الكلام عن الحشو والثرثرة واللجوء البراني إلى مفردات أسطورية يقع في ذلك السياق، لكن السجال حول البناء على هذا النحو يظل تقليدياً ما دام لم يشفع بنظر جديد في الشكل والتأويل. في ضوء ذلك لن تكون القصيدة السيابية في الأغلب فالتة إلى هذا الحد، لكن الانقلاب على السيابية قد يجد ترجمة أفضل في أعمال العزاوي أو أعمال سامي مهدي نفسه، أين سيولة السياب من سيولة العزاوي؟ لكن سيولة العزاوي هي تحويل القصيدة إلى ما يشبه الكولاج الجرائدي، إنها لا تخرج الآن من بؤرة وجدانية بقدر ما تنشر في نوع من >النشرة< المدينية حيث يتكلم الواقع نفسه من دون إعلاء وجداني، ومن دون تحويل مجازي كبير وبالطبع من دون أي أسطورة شخصية. يسعى سامي مهدي إلى قصيدة ملموسة ذات صرامة أسلوبية، لكن المهم هو أن الواقع يتكلم من دون شطح غنائي أو عاطفية نافرة.

لا نعرف ما إذا استطاعت قصائد العزاوي أن تكون شعراً بقدر ما هي نقد شعر، لكن المشروع الشعري الذي انطلق منذ >قصائد مرئية< من أسس مغايرة ظل وحده يتقدم نحو بناء بديل، مشروع سعدي يوسف بدأ من دون بيان وتقريباً من دون نقد شعر، مع ذلك فإن ترجمات سعدي العديدة تنم أيضاً عن خياره الشعري. ما تجنبه هو الإنشاد والأسطورة الشخصية وبالطبع البيان الشامل. لقد أوجد لغة ذات وزن وحجم وحدود مادية، لكن مع خفة وشفافية وتسرير لمحات من تاريخ وخارج وسرد وتساؤلات واستخلاصات ذكية تتعالق بإيقاع محولة القصيدة إلى فضاء مركب مفتوح ومغلق. إنه مزيج مخصوص من إشارات وثائقية وسيرية وفانتازية يتصفى بموسيقى داخلية ويبدو في النهاية شخصياً وعاماً حيادياً وحميماً واقعياً وفانتازياً سردياً وغنائياً. مشروع سعدي كان في أساس جناح في شعر السبعينيات، يمكننا الكلام عن هاشم شفيق كاستمرار وإضافة، فيما أكمل الآخرون انقلابهم باتجاه قصيدة برسية أدونيسية بركاتيّة ألمحنا إليها من قبل.

- 6 -

بدأت قصيدة النثر مع محمد الماغوط وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا، وبالطبع مع جبرا جبرا وتوفيق صايغ وإبراهيم شكرالله، هذا بالطبع تاريخ لكن الأكيد أن قصيدة النثر كقصيدة التفعيلة نوع وما يندرج تحته ليس واحداً. هناك أكثر من قصيدة وأكثر من عالم ووجهة، هذا بديهي لكن بداهته قلما تتجلى للنقد الشعري الذي يفرد لقصيدة النثر باباً على حدة، كأن الجدل حول مشروعية هذا النوع استهلك النقاش حوله وظل من حينه يراود البداية. لقد تراءى أن قصيدة النثر هي حدث السبعينيات وما بعدها، وظلت قصيدة النثر هي الحدث الأساسي من دون أن ينتبه كثيرون إلى أنه أيضاً غرق في تفريعاته وما يحدث فيه. وإلى أنه لم يعد ابن الشعر الضال الذي ترجى عودته، فلقد أنجب أنسل وصار له أبناء وأحفاد وسلالات ومن اللامجدي أن نبقى عند صدمته.

من يراهنون على أن قصيدة النثر هي الحدث الأساسي في السبعينيات، وما بعدها لا ينتبهون إلى أن ذلك قد يكون نتيجة بمقدار ما هو سبب. قد يكون الحدث الأساسي الفعلي سلبيا وغير مرئي، إذ يصعب أن نلاحظ أن المسألة هي في ما لم يقع أو توقف عن الحصول. إلا أن الحدث الأول بالنسبة إليّ هو نضوب شعر التفعيلة بعد السبعينيات وتوقفه عند شعراء الجيلين الأولين أو الأجيال الثلاثة الأولى في حساب آخر. إذ يحير أننا لا نعرف اسماً لافتاً بعد هذه الأجيال ولا نجد قصيدة مبتكرة حقاً في ما بعد السبعينيات. لم يتوقف شعر التفعيلة كما لم يتوقف الشعر العمودي أيضاً، لكن شعر التفعيلة يبدو وكأنه وصل إلى تمام مقلق. لقد اكتملت نماذج أصلية واستنفد البحث والتجريب، وانتهى الأمر إلى دوران حول النماذج الأصلية وإعادة إنتاج وتنويع على إنتاج وتفريع منه. هذا هو الحادث الأهم وهو حادث حقاً بمعنى أنه ليس حتماً ولا نتيجة ضرورية، إذا بدا أن نضوب الشعر العمودي حصيلة تاريخية، فليس هذا شأن شعر التفعيلة الذي لم يكد يكون له تاريخ. إن جيلين أو ثلاثة لا تكفي للإرساء والتأسيس فكيف يمكن أن تستنفد كل التجربة وتنهيها. لقد استهلكت الفترة الانتقالية بين العمودي والتفعيلة جانباً من هذا الوقت القصير أساساً والذي لا يكاد يتجاوز عمر جيل شعــــــري واحد فكيـــف لا يصدمنا توقف التفعيلة، وكيف لا نجد في ذلك عطالة كبيرة وداءً عضالاً، وكيف لا نحاكم كل ما أسميناه حداثتنا الشعرية وربما إنتاجنا الثقافي كله بهذه العين، وكيف لا نتساءل بجدية عن التصحر الذي أصاب هذه القصيدة. نتساءل إذا لم يكن هذا شأن شعرنا كله وثقافتنا كلها. وإذا كان النفس القصير والمدى القصير والتجربة القصيرة بالتالي عوارض متأخرة لمرض أصلي، إذا لم تكن السرعة إلى الجواب والقطع والتمام داء أصليا، أما المقلق بالطبع فهو سعادة مراهقين بالشعر والثقافة بما حدث وتجييره لحساب قصيدة النثر التي ستعاني من التصحر والجفاف ذاتها إذا لم نحسن هذه المرة التفكير والبحث. الاستنتاج بأن التفعيلة ذاتها هي التي انتهى عمرها لا يقوم على أساس، إنه عقل استبدالي، عقل قطيعة واستئناف بدء هو الذي يوحي بأن قصيدة لا تقوم إلا باستئصال قصيدة. يحاول محمود درويش في محاولات ناجحة أن يسبر فضاءات جديدة لقصيدة التفعيلة ويحتاج الأمر إلى إرادات مماثلة بالطبع. قصيدة النثر ليست تطوراً تاريخياً للشعر ولا مجرد مرحلة متطورة أو غير متطورة من مراحله، إنها نوع أدبي آخر بين النثر والشعر، ويمكنها أن تكون بين الفلسفة والعلم والسرد والشعر ولم تقم لتكون وريثاً ولا بديلاً وإنما لمدى آخر من الحركة والمزج والتركيب.

- 7 -

بدت قصيدة محمد الماغوط مكتملة وكافية بحيث إنها لم تحتج إلى مبرر، لم تحارب للدفاع عن نفسها، لم يتذكر كثيرون في حينها أنها بلا وزن فقد شغفتهم أولاً صورها الانفجارية المشقّة والسيرة الصعلوكية التي تقدمها. فضلاً عن الاحتجاج الذي يغدو فيه الشعر ملكوت البراءة والريفي المقتلع جواب الشوارع راوية الحقيقة. كتب هذا الشعر ليحظى بالتعاطف الذي يستحقه، لم يكن فيه أي اعتداء أو استفزاز لأي من مثلنا الأدبية، كان بالعكس تحدياً إيجابياً واضحاً لقصيدة التفعيلة. لقد حمل بساطة أكبر الرسالة التي لا تقدر عليها قصيدة التفعيلة، فهذا المزيج من السيرة والغناء والاحتجاج لم يوجد بهذا القدر من البداهة والنفاذ والانسياب في شعر آخر. لم يبد شعر الماغوط لفقدانه الوزن مارقاً. كان بالعكس يملك ما جعله بسرعة مثالاً في الشعر والنثر، غدا الفن الماغوطي نموذجاً لغناء المغدورين. لقد أتى الماغوط إلى النثر من دون أطروحة نقدية. وصل إليها بالبساطة التي وصل إليها رائدها الفرنسي اللوزيوس برتران وسعى فيكتور هيغو عمود الشعر الفرنسي يومذاك وسعه ليجد له ناشراً، بالبساطة التي انعطف فيها بودليرالي قصيدة النثر بدون أي جــرح ولا معاضلة، كانت عملية سلسلة وسلمية إذا جاز القول. لقد أوجد الماغوط لغة أكثر حركية وأوسع تعبيراً وأكثر مطابقة وأكثر تشعشعاً وأشد وضوحاً وهجومية فضلاً عن كونها ذات غناء طازج وعضوي ومتحرك، وذات بيان إيجابي وفلسفة بسيطة إلى جانب المهمشين والمقتلعين، كان بوسع كل هذه العناصر أن ترسي نموذجاً جديداً بأقل درجة من الخلاف.

لكن >شعر< كانت تريدها حرباً. كان على قصيدة النثر أن توجد كتهديد وكانشقاق. وأن تكون استفزازاً خالصاً. كتبت >لن< بحبر هذا الاستفزاز القصدي، إذ بعد نصف قرن تقريباً على كتابهــــا لا تزال صداميتها بادية ولم تستوعب فعلاً في أي ذاكرة وأي تراث. لا شك أنه كتاب غريب لكنه أيضاً كتاب مجتهد، إنه نوع من ورشة كتابية فعلية إذ الكتاب من ناحية أخرى حمل تمارين وتطبيقات واقتراحات وأشكال وتجارب، إنه مختبر كامل ومن العبث اعتباره مجرد ارتجال وشطح كلامي، لكن >لن< >والرأس المقطوع< بعده يظلان إلى الآن مستحيلي القراءة تقريباً. فالتكوينات الكاوسية الموجودة بوفرة فيهما صلبة وصادة وغير قابلة لأي تحويل. إنها نوع من الأنتي لغة، وبلغة بلاغية أقرب، نوع من المعاضلة والتمحل المقيمين، فهي موجودة كاعتداء صريح. يصعب إيجاد مجرى إيقاعي لتراكيب كهذه لكن يصعب أكثر إيجاد مقابل دلالي لها، إنها عديمة الشفافية وقلّما تشع بأي إيحاء، وأكثرها يبقى على حاله من الثقل التكويني. نصوص كهذه كانت بالتأكيد من أول أمرها سعياً إلى الفتنة، إنها لا تعلن الانشقاق فحسب لكنها موجودة علناً كفضيحة أدبية ولغوية. اقترنت قصيدة النثر، كما فصلتها >شعر< بهذا التخريب كما سماه أنسي الحاج. ومنذ ذلك الحين فإن قصيدة النثر هي هذا الشقاق والاعتداء المعلن، هي هذه المعاضلة للإيقاع والصورة والمعنى، إذ لا نجد غالباً وراء المعاضلة شيء، ولا نحظى بالمقابل بكثير من الاشراقات والصور الانفجارية والكلام المشعشع.

نصوص شوقي أبي شقرا الآتي إلى النثر من الشعر أكثر ألفة للنظم والتوقيع، إن نصوصه المؤلفة من نثرات خفيفة ولاهية وخالية من أي مضمون درامي، هذه النصوص المصنوعة بإهمال متعمد وأحياناً معلن للفصاحة، تفعل ذلك بقدر من التحنك إذ تتخلص من طبول الفصاحة لكن بإيقاع عيدي مرح وخفيف. إنها تستكمل التقطير الإيقاعي الذي انشغل به الشعر اللبناني لكن من دون أجراس رنانة بالطبع محوله النص كله إلى تداعيات إيقاعية. نص شوقي أبي شعرا في أفضل حالاته ذو مفهوم صارم للشعر، إنه لا يجده خارج هذا المس الإيقاعي ويحاذر من أن يختنق في أي مصيدة أخرى، في الموضوع أو المعنى أو الموقف، لذا تبدو قصيدة النثر مع شوقي أبي شقرا عدوة للموضوع والمعنى ولكل قصد في الشعر.

لقد جاءت قصيدة النثر ولكن كاستفزاز صريح، لم تكن فقط طريقة في الكتابة أو النظم، فخلاف قصيدة التفعيلة كان لقصيدة النثر بيانها الشعري والفلسفي وضمناً السياسي. إذا لم تكن قصيدة متشائمة دائماً (قصيدة المرضى والسرطان) فإنها سلبية بالتأكيد. بدا الإيجاب الماغوطي ساذجاً هنا وكذلك غناء المهمشين والمغدورين، فقصائد أنسي وأبي شقرا ومن جهة أخرى أدونيس تحصن الشعر من التورط برسائل معلنة إلى الخارج. تحصّن الشعر الذي لم يعد مجرد شكل أو نوع فني، فقد تحول إلى أقنوم بذاته وفي داخله ومنه وإليه تتم الثورة والتدمير. القطيعة اللغوية والقطيعة الثقافية هما عنوان هذه الثورة وإذا لم يكن مهماً تحديد الغاية، أهي ولادة من الذات كما عند أدونيس أو تقويض ذاتي كما عند أنسي أو لعب حر كما عند أبي شقرا فإن الشعر وحده كان مفجّر أو مخرب أو مدمر هذه اللغة التي تحمل كل تاريخنا العبودي، لقد أصاب رأس الأفعى بالضبط، إذ لا سلطة للتقليد والانحطاط من دون أن يكون أساسها في هذه اللغة المقدسة. لقد قُتل المقدس على نحوٍ ما وانفك السحر عن كل ماضينا العجائبي. هكذا كانت نخبة معزولة ومن دون أي تقليد سياسي فعلي ومع انحياز وراثي لليمين النظامي تقوم بالثورة >الحقيقية< ليس نيابة عن أحد، إذ إن مقتها للسياسة كان عنيفاً بالنظر إلى هيجانات الشارع، لا ننسى أنها كانت المرحلة الناصرية. كانت الثورة داخل حرز التراث والماضي فالقصيدة النثرية ومن دون أي تبعات سياسية من أي نوع، كانت انفجاراً في داخل القلعة، كانت ثورة كاملة ولكن من دون أي موقف سياسي، ففي مجلة >شعر< حيث قوميون سوريون اجتماعيون ولبنانيون كانت هذه الثورة >الأرستقراطية< رداً نظيفاً وغير مباشر على حراك جماهيري هائل رفع صورة القائد وأمجاد الماضي والإيمان الديني بالشعب مع الاتهام المسبق للغرب. لقد اعتدي على اللغة، لم يتطلب هذا أكثر من أفراد جسورين، وأحرار، إنهم الأنوات الكبيرة والدراماتيكية الجديرة بمغامرة كهذه، أنوات ستتجلى في مهيار الدمشقي وفي مونولوج >لن< الطويل حيث يتحول الشعر إلى سيرة عليا، إلى نمذجة وتشخيص كاملين.

لا شك في أن السيريالية لعبت في كل ذلك، لقد قرنت الأدب بالثورة لكن السيريالية رفضت أي استقلال للأدب بينما احتكر الشعر الثورة في أدبيات >شعر<. بهذا الاحتكار غدا بديلاً للثقافة كلها فحسب بل وللتاريخ أيضاً. سيكون الوقت إذن سانحاً لتضخم نرجسية الشعر إلى الأوج ولامتلائه ببيانات تدمير وقتل أب وولادة من الذات. سيكون لكل ذلك طابع سحري تقريباً، فاللغة القديمة كانت خلقاً جديداً وألفاظ الرفض والخراب والمرض كانت بحرفيتها مفاتيح سحرية. لقد سطرت هذه النصوص الطويلة التي حوت كل شيء لتكون أناجيل للمستقبل. لم يهتم أنسي الحاج بالمستقبل لكن >لن< كانت بياناً تدميرياً، ولم يهتم أبي شقرا بأي قصد لكن بدأ من لا لغة ومن دون أن يظهر أي عنف من أي نوع كانت الفصاحة قد جرى تقليمها ونزع أسنانها وتحويلها إلى لعبة. كان الشعر إذن هو إنجيل التحرر الجديد، لكنه بذلك بدا متجاوزاً نفسه باستمرار، بدا أقرب إلى حركة شاملة، إلى قيادة أركان للثورة والتجديد والمستقبل. كان الإلهام النهضوي والإلهام السيريالي رديفين هنا، لكن هذا جعل من البيانات الشعرية وحتى النصوص، على رغم عدائها للمباشرة الجماهيرية عامرة، بتخطيطات أيديولوجية، إن >لن< و>أغاني مهيار< دعوتان بهذا المعنى. لنقل إن قصيدة النثر كانت راديكالية، الأمر الذي لم تكنه تماماً قصيدة التفعيلة، راديكالية إلى الدرجة التي غدت فيها >الثورة الحقيقية< في وجه هيجانات الشارع، لكن من دون أي تصور سياسي كانت >الثورة الحقيقية< محاصرة في قفص. كانت كل تجلياتها استفزازاً حاداً لكن عقيماً أحياناً للغة. ربما هيأت للشعر مكانته في العربية وأسطورته عن نفسه فيها ادعاء القيام بتبعات التجديد والانقلاب، لكنها تبعات فوق إمكانه وطبيعته. فالشعر الذي هو تقريباً قانون لغوي والذي يتصل بطبقات متعددة من تاريخ اللغة وماضيها والذي تحيله أولياته الضمنية إلى عمل شبه لا إرادي، الشعر هكذا أقل ما يكون تأهيلاً ليكون مركز الثورة اللغوية أو أن يتصدى لمستقبليه مفتوحة. أغلب الظن أن الرواية أقدر على ذلك، ومهما يكن فإن الثورة الشعرية كانت ضئيلة الحصاد بالنظر إلى ادعائها الطنان. كانت النصوص المنتجة عامرة بادعاء ليست في مستواه غالباً، إذ إن مجموعة من الألغازات أو السيولات الكتابية لن تملك بالضرورة هذا الاستشراف المستقبلي والريؤيوي. سيكون الخلط والصراع ممكناً دائماً بين البيان النظري والمنجز الحقيقي.

ليس هذا هو التناقض الوحيد، الأرجح أن الحركة كلها واقعة في شبكة من التناقضات، لعل أهمها أن الادعاء الثوري كان يتمتع فقط بمخيلة شكلية بالكامل. كانت الثورة الشاملة من جانب ومن جانب آخر قصيدة تتعبد لنفسها أو لغة تتمرأى في ذاتها، فالراديكالية الجديدة حملت معها من النواهي ما يلزم الشعر بأن يتجنب أي تراسل مع الخارج. ألزم الشعر بأن يكون حجرة داخلية تعيش في نور نفسها، هكذا انتفى الموضوع تقريباً، كما انتفت المباشرة وانتفى بالطبع كل سرد أو وصف وما عاد في وسع الشعر إلا أن يدور حول موضوع المواضيع وسيره السير والشعر الأعلى. لم تكن الراديكالية سوى هروب إلى الأمام من حصار فعلي، لقد عُبر عن صعوبة التغيير الهائلة بأكثر إعلانات التغيير دوياً، تكفلت دائماً بالثقافة العربية ماكينة كاملة من الشعارات بالتغطية على غرق العجلات في الرمل وصعوبة التقدم العظيمة.

أدت راديكالية قصيدة النثر إلى استتباعها لفلسفة غريبة عنها وتحويلها إلى تابو بمجرد قيامها، والنتيجة قطع صوري جعل الشعر يضخّم مغامرته اللغوية ويحولها إلى نهاية في ذاتها، يصعب القول إن ذلك وسع على قصيدة النثر أو جعلها تظهر ما في طاقتها. لقد تمت محاصرتها في علبة أيديولوجية ثم محاصرتها بعد ذلك في قالب شكلي.

بدا أن قصيدة النثر في حرج من اسمها، لم يجده نقادها فقط متناقضاً بل العديد من شعرائها أيضاً، لقد شق عليهم أن ينسبوا شعراً إلى النثر أو نثراً إلى الشعر، وهناك من قام بمحاولات إنقاذ سريعة فوضعت أسماء أخرى لكن المشهور غلاب. لم يكن هذا جدلاً حول الاسم بقدر ما هو حول المفهوم. ظلت قصيدة النثر تحمل كلمة النثر في اسمها كعار غير مفهوم، أو تهمة صريحة. لم يكن النثر مطلوبها بل الشعر، والشعر من دون أي زيادة، إذ طالما ألزمت القافية وألزم الوزن الشعر بالحشو والزيادة، ولم يتحرر الشعر منهما ليدخل في النثر، بل ليزداد خلوصاً للشعر. هكذا كانت قصيدة النثر، عند نفسها أكثر اشتغالاً بالشعر وتكرساً له، وهكذا بدت كلمة النثر في اسمها نافلة. شاءت قصيدة النثر أن تكون أقل حشواً وإطناباً وتزيداً، شاءت أن تكون أكثر كثافة وإيحائية وتحويلاً، وبالطبع أصفى غناءً وإيقاعاً. بوسعنا القول إن قصيدة النثر سابقت قصيدة الوزن على شعريتها، وكان رهانها بالطبع أن تكون أعلى شعرية من قصيدة التفعيلة، وأن تثبت هكذا نفسها بديلاً أو منافساً على الأقل. هكذا بدت قصائد النثر أكثر انغلاقاً واستقلالاً بالشعر وانطواء وتجنباً لكل ما يشي بمناسبة خارجية للقول أو يمت إلى مقابل خارجي، شاءت قصيدة النثر هكذا أن تتخلص من كل اشتباه بالنثرية، وإذا استثبنا نسبياً الماغوط فإننا نقع على شعر أشّد تصفية وانغلاقاً مجازياً وتصعيداً غنائياً من شعر التفعيلة.

لا شك في أن قصيدة النثر الأولى فعلت ما في وسعها لتتبرأ من النثر، كان هذا اسم أطروحة تقيم بين النثر والشعر جداراً وتقوم على جوهرية الشعر واستقلاله. بعيداً عن اسمها أخرجت قصيدة النثر النثر من نطاقها تماماً، ما كان ممكناً أن تتميز شعرية النثر أو جمالياته. لقد وضعت علامة سوداء على السرد والخبر والوصف والمناسبة والتفسير والمناقشة والبحث والاستخلاص والتفلسف. كان الشعر هكذا عملاً جوانياً يتجنب أن يستعير من الخارج اسماً أو مناسبة أو موضوعاً. كانت الذات على هذا هي موضوع المواضيع وسيرة السير، هكذا كان على الشعر أن يعيد مغامرته ذاتها في كل قصيدة، ففي كل مكان كان الشعر يعيد تعريف جوهريته وقطيعته وداخليته. ربما لهذا نجد أنفسنا أمام مطولات مستمرة، إذ لم يكن للقصيدة أن تبدأ من لقطة أو شظية أو حيز محدود، كان أمامها موضوع المواضيع، كان الشعر كله أمامها، وكان عليها أن تبني نفسها دائماً كعالم موازٍ، كذات أخرى. هكذا نجد أنفسنا دائماً أمام >الكتاب< الكتاب حيث لا قصيدة ولكن شعراً جواباً يستفرغ اللغة ويستفرغ العالم إلى آخرهما. إذا كانت هذه التجربة الملحمية مغوية بالتأكيد فإنها تحمل أيضاً طابع استحالتها. المطولات كانت تعيد دائماً التجربة إلى أولها، وفي كل مرة كان العمل الشعري يقدم نفسه كسفر تكوين جديد للغة والكون. هذه الرحلة كانت تفقد نفسها غالباً وتتحول بسرعة إلى ترجيع فقير والى تراكم لغوي.

تجربة كهذه كان يمكن أن تبدو لشعراء من جيل ثانٍ مدعية وزخرفية ومغلقة إلى حد بعيد، سرعان ما تكلست وتكلس معها مثال الشاعر الجوهراني قدموس الذات واللغة، بدا الشعر وكأنه منهك من قول نفسه وإعادتها، وبدا لزاماً عليه أن يجدد عهده مع اللغة والأشياء ومع نفسه وصاحبه، الأرجح أن حذلقة المطولات وسيولتها وترجيعها، كل ذلك استحال نمطاً غريباً وغير طبيعي وكان من السهل تميز وعورته وهجينه، فقد كان في هذا نوع من شعرية متعالية بقدر ما يمكن أن تكون زائفة. لذا كان لا بد من العودة إلى نوع من بداية، إلى شعر يخرج من قطيعيته شبه الكاملة، إنها عودة إلى لغة غير محولة بالكامل، لغة لا تزال لها صلتها بمادتها الأولى ومقابلها الخارجي لغة مسننة ومادية، كان لا بد من إخراج الإيقاع من ترجيعية مملة والغناء من وجدانية وتشخيصية عاليتين، كان لا بد من العودة للموضوع وللخارج وللسيرة وللتجربة المباشرة وللسياسة ولليوميات والعالم المديني. كان لا بد لقصيدة النثر من ألا تتبرأ من النثر، لا من لغته الصحافية السائرة ولا فنونه، لا ســرده ولا مبانيــه ولا عوالمه، هكذا ومع بعض شعراء السبعينيات، والثمانينيات: سركون بولص ووديع سعادة وبول شاوول وبسام حجار وأمجد ناصر ونوري الجراح وعبده مازن على سبيل المثال. دخلت قصيدة النثر في النثر بما يعنيه ذلك من غناء مختلف، من صلة أوسع بالخارج والمدينة والحياة اليومية وبما يعنيه أيضاً من اختلاط أنواع وثقافات وبما يعنيه من إيجاد نص مفتوح، هكذا لا تعود مسابقة قصيدة التفعيلة رهان قصيدة النثر، إن رهانها في علاقتها بالنثر والثقافة كلها وبالعالم الراهن، وقدرتها على أن تجد بالتدريج مفهوماً لآخر للغناء وللتناول الشعري.

شعر سركون بولص ذو لغة مادية. العالم الفعلي يبرق عبر الصور والاستدعاءات، يتكون هذا الشعر من تقاطع مصادر متفاوتة، الذاكرة الشخصية والتجربة المباشرة والرسائل المحددة مع أنواع أدبية وفنية ونصوص ثقافية وأمكنة ورحلات وخرائط مدينية، إنها مادة لا تفقد آثارها في الشعر ولا تتعرض فيه لتحويل وانقطاع نهائيين وإعلاء تام، عالم سركون بولص ينبض بين المادة الأولى والتحويل المجازي. إنه يتكلم بصوتين: نثري وشعري في آن معاً. هكذا يحتفظ الكلام بحراكه وصدمته وإحالته المزدوجة.

- 8 -

من أين بزغت الثمانينيات، أحسب أنها بزغت تقريبا من قصيدة السبعينيات، ولا أعرف إذا انفصلت بما يكفي عنها، السبعينيات سن نضج قصيدة النثر والثمانينيات وما بعدها سن غلبتها، غدت قصيدة النثر بتسارع كبير مهيمنة في كل مكان تقريبا، ومع قصيدة النثر بدا أن الحيز الشعري يفقد حدوده ويتداخل مع النثر، حصل هذا بتوسع جعل الشعر غير مستقل بعد بقاموسه أو موضوعه وحتى إيقاعه، وبدا أحيانا مقتربا وحساسية وأحيانا تقنية. الأرجح أن مفهوم الشعر لحقه لذلك قدر من الإبهام، بدا أن تراث الحداثة كاف لقصيدة الثمانينيات وما بعدها لكن تنزل الشعر من الشعر أو حتى من الأدب لم يعد قاعدة، انفتحت أبواب أخرى كالسينما بالتأكيد وليست السينما وحدها فهناك الغناء والرواية والمسرح والصحافة. لا شك في أن الصورة السينمائية هنا تتداخل بالصورة الشعرية، لا تحتاج الصورة السينمائية إلى أكثر من لغة توضيحية والحق أن لغة القصيدة الجديدة في الثمانينيات وخصوصا ما بعدها بدت شيئا فشيئا بعيدة عن أي مفهوم سابق للغة الشعرية. اللغة هذه المرة لا تبدأ من الصوت بقدر ما تبدأ من المعنى فانتظار المعنى من التأليف الصوتي لم يعد الأساس، تقصد المعنى وتوليد الإيقاع من لعبة المعنى نفسها غلبا. أي أن في تقطيع المعنى وتوازي المعاني وتكرارها وتوزيعها تشكيليا وقصها ووصلها وحسابات النطق والصمت فيها وضغطها وبترها أو تسييلها أو ترتيبها أفقيا وعموديا، خطيا وتشبيكيا. تناظرها أو تضادها، كل هذا الأشبه بالسيناريو بدا لعبة أخرى للقصيدة، الأمر الذي يطرح مجددا سؤال اللغة وسؤال الإيقاع، لا نعرف إلى أي حد استطاعت قصيدة الثمانينيات وخاصة ما بعدها أن تستوفي هذه اللعبة الأخرى.

اللغة في قصيدة الثمانينيات، وخاصة ما بعدها غير متعددة الطبقات، أنها لغة السطح الواحد، إذا جاز التعبير. لا يناط الأمر الآن بتعدد المعاني واحتمالاتها فهذه القصيدة لا ترتاح للتوليد اللغوي والتناسل اللغوي ولا تحتاج حتى لطبقات المعنى العديدة، إن حصر المعنى مهم لديها، قد لا يكون واحديا لكنه أيضا ليس جنونيا ولا مفتوحا على كل المعاني، ذلك يفترض ألا يكون للكلام عمق مبالغ به أو خفاء لا يدرك. التسطيح لا السطحية بالطبع سمة النص الثمانيني وما بعده، أتكلم هنا عن شيء يشبه التسطيح في الفن التشكيلي وفي بعض الروايات، الكتابة في القصيدة الثمانينية وما يليها مرسومة كما هي في ظاهرها لا في ما وراءها أو إيحائها فحسب. التوهيم هنا ليس الأساس ولا السحر ولا الاحتفال، شعراء الثمانينيات وما بعدها يحسبون أن الإبهام والتوهيم أساسا كتابة مضى وقتها، أن كل هذا البذخ الخيالي ليس ملزما وليس ملزما أيضا الإيماء الخفي، الأرجح أن هذه الكتابة لا تبالغ في ابتكارها وخصوصيتها وثقلها الإيحائي والأسلوب، أنها كتابة تأخذ كثيرا بالظاهر وتبتعد عنه بحساب.

ليس في كتابة الثمانينيات وما بعدها، هذا الازدواج بين العمق والإبهام، بل ليس هناك الإيحاء بالعمق عن طريق الإبهام، إذ لا يمكن التضحية بكل شيء لإظهار الخصوصية. لنقل أن شاعر الثمانينيات وما بعدها يرى أن الإبهام والغموض تقليد قديم ولا يرى بالطبع في الوضوح قصور خيال، الوضوح بالنسبة إليه أساس، والوضوح لا يعني انتهاء الفن ولا ضيق اللعبة وانحصارها، إذ يمكن التوليد تحت شمس الوضوح، ويمكن الاستمرار في جدل المعاني وجدل الصور من دون الدخول في مناطق مظلمة.

شاعر الثمانينيات لذلك لا يبدو تحت وطأة لا وعي هائج مظلم، الوضوح والوعي ليسا بالنسبة إليه غير شعريين، كما أنه ليس مهووسا بالخصوصية والأسلوب هوس سابقيه، لا تتطلب الخصوصية منه كل هذا الانحراف الكتابي الذي يجعل الشعر في أحيان مستخلصا بالكامل. الأرجح أن اللغة كما يريدها شاعر الثمانينيات وما بعدها تتميز بشيء من العموم، ليست تماما إبلاغية لكنها في الأساس تواصلية، بعض شعراء ما بعد الثمانينيات يبالغون حين يقولون إن اللغة أداة فحسب، الأرجح أنهم يقولونه على سبيل الاستفزاز والتحدي لكن اللغة مع ذلك ليست حرة تماما ولا خاصة تماما، الأسلوب موجود لكن شاعر الثمانينيات وما بعدها ليس عابد أسلوب، وليس الأسلوب عنده كسر كل مشترك وكل عام إلى حد نسيان نقطة البداية. لنقل إن شاعر الثمانينيات وما بعدها يشترك مع كل فناني العالم الراهن في قلقهم من الخصوصية، ومن التضحية بكل شيء في سبيل أنا الشاعر، يشترك معهم في القلق من التوقيع الخاص ومثلهم لا يحسب أن الفرادة التامة أمر ممكن ولا يخيفه أن يشترك مع غيره في أشياء كثيرة، بل لا يخيفه أن يقال إن كتابته لا تملك طابعا خاصا.

مع ذلك يبدو شاعر الثمانينيات وما بعدها مهووسا بسيرته، إنها تقريبا موضوعه الوحيد وخبرته الوحيدة التي لا يدخل فيها تعمد أو خلق تام، لكن السيرة الذاتية هنا ليست عبادة ما هو ذاتي بل رؤيته وكأنه ليس ذاتيا وتسويته بما هو آخروي وعام، السيرة الذاتية هنا شبه عامة، فما يهم منها هو المألوف والمشترك، شاعر الثمانينيات لا يبالغ في انفراده ولا يذهب بعيدا في تأمله لنفسه، بل يرى في الغالب نفسه جواب أماكن وأوقات له ولآخرين: الرصيف والشارع والبار والسينما والمقهى ليست مطارح للوحدة، إنها دائما لكثيرين، ثم إنها ليست مجالا لبطولة خاصة ولا لدراما من أي نوع ولا لتأمل خاص مستوحد، في هذه الأماكن تجنب نسبي للعمق والفرادة، وما يكتبه الشاعر هو ما يحسبه لغة هذه الأماكن الظاهرية البرانية القليلة التأدب القليلة الخيال القليلة العواطف القليلة الانفعال، اللغة الوقائعية مع شيء من التذييل الذاتي. إنها ليست بالطبع ملحمية ولا غنائية جدا وستكون لذلك قريبة من الكلام، قريبة من الكتابة الصحافية، قريبة من الواقعية الإيطالية في إفحاشها بالواقع ومبالغتها فيه، وما ينتج عن هذه المبالغة من فكاهة ومفارقة ووقاحة وغلظة، وقائعية هذه الكتابة في جزء منها مداعبة للواقع كما أن السيرة الذاتية فيها بحث عن >أنا عامة< إذا جاز التعبير.

تبدأ القصيدة هنا بشبه حكاية توحي في سردها بأنها حكاية كل يوم وكل إنسان، حكاية يبدو وكأنها تقال على سبيل المثال، كأنها سبيل إلى القول إنها واقعة ليس إلا وإن الشعر ليس شيئا آخر، ليس سوى مجرد واقعة بلا تزيين ولا إضافات، هكذا يبدو الشعر وكأنه لا يقصد سوى نقد الشعر وإعادة تعريفه، كأن كل قصيدة تعيد التأكيد مجددا على تعريفها للشعر ونقده.

احسب ان شعراء الثمانينيات وما يليها لا يبتعدون في ذلك عن شبه تقليد في القصيدة الحديثة يقضي بأن يعيد الشعر دائما تعريفه للشعر، قبل الثمانينيات كان الشعر يقول إنه الرفض أو التخريب أو الاحتجاج أو النضال أو الحب أو أي شيء آخر، شاعر الثمانينيات وما بعدها يفعل ذلك وإن بقدر من اللامبالاة أو التأفف.

لكن شعراء ما بعد الثمانينيات بدأوا يسأمون الحكاية المَثَل هذه، بل انتبهوا إلى أن هذا قد ينتهي إلى تقليد آخر وقد يتحول مع الزمن إلى تشابه باعث على السأم وإلى تبسيط شبه تعليمي وإلى حجر جديد على التجربة وتحويلها مجددا إلى درس وخلاصة. أظن أن شعراء ما بعد الثمانينيات بل ما بعد التسعينيات خاصة هم الآن رهن مراجعة لذلك، أو أنه بلغ مداه كما هي العادة، لذا بدأ فن الحكاية الذاتية المبتذلة بالتراجع وأمكن أن يبدأ الشعر من الحكاية وغير الحكاية ومن الأنا والآخر والمعلوم والمجهول بلا فرق، لنقل إن شعر الثمانينيات وما بعدها هو شعر اللحظة، اللحظة لا اليوم فحسب فقد تذرر الزمن إلى لحظات وتحللت الرواية إلى لقطات ومشاهد، أحسب أن شاعر الثمانينيات وما بعدها يسعى إلى القبض على اللحظة بأدوات قد يكون بعضها استلهاما للسينما. إن بصرية الشعر مجاورة للحظيته، والأرجح أن المونتاج واللحظة الحركية المركبة هما ما يتجه إليه شاعر ما بعد الثمانينيات، إذا كانت اللحظة لدى شاعر الثمانينيات بسيطة فهي أكثر تركيبا لدى شاعر التسعينيات، الأرجح أن العموم يحتاج إلى وقت ليغدو فناً وأن الواقع لا يستوي بسهولة درسا ومثالا وأن الأثر الشعري ليس فقط بخلاصاته وأنه أيضا صلبه وكيانه وتجربته الخاصة، من هنا أحسب أن الشعراء يعيدون مجددا مساءلة اللغة والشعر والتجربة بعد أن استنفدوا الأجوبة البسيطة.

- 9 -

لا يمكن الكلام عن تقهقر الشعر ولا عن تقدمه، هناك أزمة مع القارئ تعود إلى بدايات القصيدة الجديدة، لكنها مع تفاقم عزلة الشعر والتحدي المتزايد لقصيدة النثر تتفاقم أيضاً، ما من حلول جاهزة سوى أن على الشعر أن يخرج من مكمنه الدفاعي لتجديد الحوار، مع القارئ فحسب ولكن مع هموم العالم ومفترقاته الثقافية والفنية، إذ لا تكفي التجربة المباشرة أو السيرة اليومية لتشابكات عالم تزداد تقاطعاً وكونية واندماجاً في استعارات كبرى. لا بد لشعر اليوم أن يكون أيضاً نصاً ثقافياً وعابر أنواع، لا تخترقه جماليات السرد فحسب ولكن أيضاً المقالة والمونتاج ولا نستبعد النص الإنترنيتي، لا نستبعد العلم ولا الفلسفة بالطبع، إن تحويل كل هذا التشابك إلى صورة يومية أو سؤال شخصي أو جماعي أو علاقة جسدية هو ما يبقي للشعر حاجة في عالمنا. أين الشعراء العرب من مهمة كهذه.