بحث الشعر العربي الحديث ومتغيرات العصر

بقلم: د. نور الهدى باديس

السيرة الذاتية للباحثة د. نور الهدى باديس

الشعر العربي الحديث ومتغيرات العصر:

محاولة قراءة

د. نور الهدى باديس

المقدمة

إطار تاريخي عام

لا شك أن لنشأة الشعر الحديث صلة بالقضايا الكبرى التي كانت تملأ السياق التاريخي الذي ظهرت فيه بداياته الحاسمة. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت تتشكل في العالم - والوطن العربي منه على وجه الخصوص - خارطة جديدة للقضايا التي كان على الإنسان أن يواجهها، حتى يجنب نفسه الويلات التي عرفها في تلك الحرب، والتي طرحت بانتهائها قضايا كبرى كقضية السلم وقضية حق تقرير المصير بالنسبة إلى شعوب كثيرة كانت إلى ذلك الوقت رازحة تحت الاستعمار، ولم يكن حق تقرير المصير يعني مجرد الاستقلال السياسي، وإنما يعني أيضا الخيارات الكبرى في بناء الدولة الوطنية، وهي خيارات أرادت أن تكون حرة مستقلة عن المعسكرين المهيمنين في ذلك الوقت: المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي. في هذا الإطار انعقد مؤتمر باندونج سنة 1955، الذي كان أمل الشعوب المستضعفة  في إيجاد طريق ثالثة تحقق لهم ذاتهم، ويبنون بها كيانهم، ويحصلون بها على حقوقهم في كنف التعايش السلمي والاحترام المتبادل، كما كانت الحرب العالمية الثانية، بما تضمنته من تسلط وظلم مارسته أنظمة كليانية كالفاشية والنازية، وراء طرح قضايا الحريات والحريات السياسية بدرجة أولى، والمناداة بالديموقراطية والتسيير على أساس من العقل والاتزان. كما كانت فرصة لطرح مشكلة الأقليات التي عانت من الحرب ومن ظلم الأنظمة. وفي غمرة الحديث عن الأقليات تحدث الناس عن حق كل ثقافة في التعبير عن نفسها بحرية.

إذن، هذه المشاكل كانت شغل الإنسان الشاغل في أجزاء كبيرة من المعمورة، ومنها عالمنا العربي. ولا شك أنها أيضا كانت موضوع كل أصناف الخطابات التي أنتجت في تلك المرحلة: الخطابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطبعا الشعر والأدب باعتبارهما منخرطين في هذا السياق، ومتحمسين لمجمل القضايا التي كانت تمثل بالنسبة للمتعايشين فيه تحديا لا بد من رفعه. والمطلع على حركة الشعر الحديث وعلى المدونة النقدية التي صاحبته يرى أن الشعراء والنقاد في أغلبهم ربطوا بين هذه الطوارئ الحادثة في السياق وظهور حركة الشعر المعاصر. وقراءة عجلى في مدونة هذا الشعر منذ بدايته الحاسمة في الخمسينيات تلاحظ غلبة المعاني المتصلة بهذه القضايا. تلك هي حال مدونة المشاهير في كل قطر، والمشاهير الذين تجاوزت شهرتهم أقطارهم ليصبحوا ممثلين لهذه الحركة بلا تمييز، كذلك كان البياتي في دواوينه الأولى، وكذلك كان السياب، وكذلك كان أحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور، وكذلك كان سليمان العيسى، وإن كان هذا الأخير تناول هذه القضايا في شكل قديم.

دقة البحث في تطور الظاهرة الشعرية

لقد حاول العديد من الدراسات تتبع هذه التحولات الشكلية والعناية بها وتحديد مرجعيتها، سواء كان ذلك في السياق الداخلي أو السياق الخارجي العالمي، وساهم الشعراء أنفسهم - بما كتبوا من دراسات وما ساهموا فيه من نقاشات وأجروا من حوارات - في تفسير ميلاد هذه الأنماط الجديدة في الكتابة، وأجمعوا تقريبا على أن ما جدّ في العصر من تغيرات عميقة وما شقه من نسق متسارع في التطور وما امتلأت به فضاءاته من أسئلة مربكة محيرة كان السبب وراء هذه التغيرات، وليس المهم من وجهة نظرنا ربط التغيير بالسياق؛ لأن هذه الفكرة فكرة قديمة؛ فلقد كان أنصار الشعر المحدث في القرن الثاني للهجرة، وبعد القرن الثاني، يحتجون له ويدافعون عنه، باعتباره أليق بالزمن وأقرب إلى ما استحدث فيه من طوارئ.

ولئن كان من البدهي الربط بين الأدب وميلاده التاريخي وإقرار التفاعل بين العصر والأدب الذي يعبر عن ذلك العصر، فإن دراسة الكيفيات دراسة دقيقة لا يتسنى الوصول إليها بسهولة؛ لأن التغيرات الشكلية - على أهميتها - ليست ضامنة دائما لشعر يجاري العصر ويواكب قضاياه. فقد يكون الشكل جديدا والمحتوى قديما، كما أن الشكل قد يكون قديما في محتوى جديد. هذا بالإضافة إلى أن العلاقة المباشرة بين التغييرات الاجتماعية والتغيرات في أبنية الفن وأساليب تعاطيه شـــيء لا يمكن الدفاع عنه، ولا يصمد أمام أي نظر نقدي.

فلقد أدرك غيرنا أن ما يميز الشعر الحق عن غيره إنما هو الرؤى التي تبنيه والعلاقات التي باستطاعته أن ينشئها بين الأشياء إنشاء غير مسبق، وأن يكون قادرا على صياغة عوالم لم يحلم بها الإنسان ولا صادف مثلها في حياته. فالمسألة الجوهرية من وجهة نظرنا هي في العمق مسألة الرؤية والمخيال الذي يبني النص.

فالإشكالية التي تواجهنا في مثل هذه المواضيع التي تسعى إلى تحسس العلاقة بين الشعر، من حيث هو فن له قوانينه وطبيعته وشروطه التي تحقق ذاته، والواقع من حيث هو ظروف ومستجدات وأوضاع سياسية واجتماعية لها أسبابها وظروفها وخصائصها، محفوفة بالمزالق، سواء كان الأمر من قبل المبدع أو من قبل الناقد، فكثير من الشعراء يعالجون الواقع أو يحاولون تناوله فيسقطون في هامش الإبداع. وكثير من النقاد لا يفهمون طبيعة الشعر، ويبحثون عن صدى الواقع فيه فيظلمون الشعر والشعراء.

وغني عن القول أن الشعر الحديث، الذي نشأ قبيل النصف الثاني أو نهاية النصف الأول من القرن الماضي، له ظروفه السياسية التي أشرنا إليها، وأوضاعه الاجتماعية التي أفاض فيها النقاد والدارسون. وأن الأسباب الفكرية لنشأة الشعر الحديث هي وليدة القضايا الفكــــرية المتعلــــقة به. ولا شك أن هذه القضايا لها ظروفها التي استدعتها، ولكنها في كل الأحوال تبقى قضايا أدبية فكرية هي من متعلقات الفن ومقتضياته. ولقد تعقدت ظروف العالم العربي وتشابكت وتدهورت أحوال بعض المجتمعات العربية وضاعت أرض وظهرت مواطن استبداد فعلت في العالم العربي ما فعلت، وكانت جميعا موضوعات للشعر. لكن الشعر في اعتقادنا يبقى شعرا ليس بموضوعه وإنما بالصياغة التي ترتقي به إلى الأفق الذي ترتضيه حقيقته ذاته.

صعوبة التناول

لعله من المفيد أن نشير إلى الصعوبات الكبيرة التي تعترض هذا القبيل من البحوث، التي تسعى إلى إبراز كيفيات التناول وطرق الاستجابة للمتطلبات. وطبعا هذه الصعوبة يشعر بها من تجاوز التحولات الظاهرة التي لا تخفى على دارس، بل لعلها لا تخفى على قارئ عادي لهذا الشعر، في الخروج عن نظام البحر والخروج عن سمعية القصيدة أو شفاهيتها، بكل ما يشير إليه هذا المفهوم من إيقاع خارجي يرتسم عليها كالزينة أو الحلي. ولئن كنا هنا نقرأ من حين إلى حين مناهج في ربط الأسباب بالنتائج غير مقنعة؛ فلسنا نرى مثلا علاقة بين تعقد الحياة الحديثة وتسارع النسق فيها والاعتماد على التفعيلة عوض البحر، بل لا تقنعنا الأدلة التي تجعل من قصائد النثر وقصائد الكلمة أحيانا نموذجا يردد >التشظي< الموجود في الضمير الحديث. على كل ليست هذه قضيتنا وإنما أحببنا أن نلفت النظر إلى أن البحث في الكيفيات، أي البحث في كل ما به يكون الشعر شعرا من أساليب في العبارة وطرائق في التصوير، ومذهبا في إخراج النص، كل هذه المسائل لا تزال تحتاج إلى كثير من الدرس و التمحيص؛ لأن الاكتفاء بالقول إن الشعر الحديث تتمثل ميزاته في الكتابة في تحويل الصورة إلى مشهد كلام يستحق كثيرا من الدرس والتمحيص، وإلا كيف يحقق الشعر كيانه عندما يصبح مسرحا أو رسما، هل يتحقق كيانه بذوبانه في كيانات أخرى أم أن للمشهد الشعري خصائص لا نجدها لا في الرسم ولا في المسرح؟

وهذا ما تكاد لا تجيب عنه الدراسات الحديثة. إذن ليس من السهل، ونحن في حمأة الواقع وتدفقه - أن نستصفي بعد نصف قرن من الممارسة ما جد في باب الكيفيات والاستجابة للمقتضيات. إن هذا عمل دؤوب يلزم القائمين عليه أدوات سبر وتشريح واختبار لا تتوافر دائما أو على الأقل، هي لا تتوافر للباحث الفرد، ولذلك فستكون مشاركتنا مساهمة متواضعة في بيان هذه التحولات والتغييرات.

وقد اخترنا من الباب الخامس أن يكون حديثنا في قضيتين رئيسيتين هما قضيتا الحب والغزل وصورة المرأة بصفة عامة في هذا الشعر، والكيفيات التي بحسبها تنوولت هذه المسألة، وقضية من قضايا التحرر الوطني، التي هي في الحقيقة قضية تحرر الإنسان، والكيفيات التي وقعت معالجتها بمقتضياتها. ولن نقف في ما اخترنا على شاعر بعينه، وإن كنا بحكم نصوص الشعر وتجاربه سنشير أكثر من مرة في الموضوع الأول إلى نزار قباني والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وفي الموضوع الثاني سنشير إلى محمود درويش وبعض الشعراء من الأقطار الأخرى.

وإنما ركزنا على درويش لأن تجربة الكتابة عنده وتطورها مرتبط ارتباطا عضويـــا بالقضــــــية، ولا يخفى أننا اخترنا هذين الموضوعين لأنهما موضوعان عابران للأزمنة والثقافات والنصوص، ثم إنهما في الثقافة العربية موضوعان رئيسيان يسمحان بعملية مقارنة أن ندرك ما تم من تغيير في تناولهما وما بقي مستقرا ثابتا لا يتزحزح، ثم إننا اخترنا هذين الموضوعين للتنافذ القائم بينهما، إذ كثيرا ما تكون المرأة متجسمة في تصريف من تصريفاتها استعارة للوطن ومدخلا مهما إليه، كما أن الوطن في كثير من الأشعار هو الحبيبة المتغزل بها، التي يفنى الشاعر فيها عشقا، ألم يقل شاعرهم >إنه عاشق من فلسطين<، وقال الآخر: >إن شعره في المرأة وطني كله<.

المرأة موضوعا شعريا: التطلع إلى قيم الحداثة

النظرة إلى المرأة: الوثاق التاريخي والتطور

لا شك في أن التطورات والتغيرات التي شهدتها وضعية المرأة العربية هي تغيرات موضوعية حدثت بالأساس خارج الشعر، وتحققت بفضل مجهودات متعددة تاريخية واجتماعية ومواقف شجاعة وجرأة في الفكر النهضوي.

ولكن ينبغي الإشارة هنا إلى أن وضع المرأة ليس وضعا واحدا في مختلف البلدان العربية. والتشريعات الخاصة بها متفاوتة. منها تشريعات تعتبر متطورة وأخرى دونها تطورا. ولعل مثل هذه الملاحظات تمنعنا من الحديث عن >المرأة في الشعر العربي الحديث< بهذا الإطلاق، وتجعل السؤال المطروح في الورقة: هل تغيرت نظرة الشاعر الحديث إلى المرأة؟ سؤالا لعموميته يضحي بالأوضاع الحقيقية التاريخية. فمثل هذا السؤال يجعلنا نتصور أوضاعا متحدة متناسقة، وهي أوضاع بينها من التباين ما يجعل اعتبار الشعر شعرا واحدا أمرا يكاد يكون مستحيلا.

ولذلك فإننا سنحاول الوقوف على بعض التجارب التي نعتقد أنها حققت للمرأة نصيبا أدنى من الحريات والحقوق وطبعا ستكون مدونتنا متماشية وهذا الاختيار.

من النقاط المهمة التي يطرحها هذا البحث هي أولا الاعتراف بأن وضع المرأة في بعض البلدان العربية أصبح وضعا يسير نحو اعتبارها ذاتا وكيانا لها من الحقوق وعليها من الواجبات ما لغيرها من المواطنين. ولكننا نعرف أيضا الفرق الجوهري الواقع بين التشريع والممارسة، وإن شئنا - بلغة أكثر تجريدا - بين النصوص والرؤى التي تشد المجتمع وتسيطر عليه.

وقد علمتنا الفلسفة ويعلمنا التاريخ أن العلاقة بين النصوص والرؤى ليست علاقة مباشرة، وأن النصوص قد تتغير ولا تتغير الرؤى، أو هي تتغير ببطء شديد تبدو الرؤى لبطئه مختلفة عن التشريعات اختلافا تاما.

فهل تغيرت نظرة الشاعر الحديث إلى المرأة بهذه التغيرات الحادثة في أوضاعها الاجتماعية والتشريعية؟

ولسنا ندري إن كان الشاعر يستطيع أن ينفصل عن أوضاعه الاجتماعية والسياق الذي يتحرك فيه، ويكون شاعرا عربيا في علاقة بـ >المرأة<. فهناك شعر مشدود إلى وثاقين؛ وثاق الرؤى القـــــديمة المتحدرة من التراث، ووثاق السياق التاريخي بتجربته الآن في البلدان التي لم تتطور فيها النظــــرة إلى المرأة، بينما نجد شعراء آخرين تختلف سياقاتهم التاريخــــــية في الموضوع الذي نحن بصــــدده، وتحرره إلى حد من إسار الرؤى القديمة المهيــــــمنة. ونخمـــــن أن حديثهم عن المرأة في أشعارهم سيــــــــــتأثر بهذه الأوضــــــاع، وسيخـــــتلف على كل حال عن حديث الشـــــعراء الذين سبق أن ذكرنا.

ولكننا مع ذلك نعرف حق المعرفة صعوبة التخلص من سلطة الأبنية القديمة المهيمنة، وندرك أن التغيرات في أي مجال كان - وبالخصوص في مجال المرأة - تغييرات فوقية أو هي سطحية، وإن كان يسندها التشريع؛ لأن الضمان الأساسي هو أن تصبح هذه التغييرات من العمق بحيث تغير التصورات والرؤى.

فالأكيد أن هذا السياق سيؤثر لأن رؤانا تتغير ومخيالنا وحساسيتنا كذلك. فعناصر أساسية في بناء المخيال ستجد وأخرى تتبدل. سنلمس هذا التغيير لا عند الشعراء فحسب، بل عند كل المجتمع، فهل أثر هذا التغيير في كيفية قول الشعر؟ وهل نجد في هذا الشعر مظاهر تدل على أن هذا السياق الخاص أثر تأثيرا مباشرا في كيفية الكتابة؟

والثابت أن الشاعر الحديث - على اختلاف مراحله وتنوع تجاربه - أصبح يختلف عن الشاعر القديم، ليس فقط في مستوى المعمار الخارجي للنص، وإنما في مستوى الاهتمامات والمعاني وأساليب التصوير وطريقة إنتاج المعنى وما إليها. ولنا في هذا المجال دراسات لا تحصى حاول أصحابها منذ ما يزيد على نصف قرن أن يعينوا التغير والاختلاف، وأن يصنفوا مظاهره ويدرسوا أسبابه من البدايات المحتشمة التي وقع الاكتفاء فيها بالخروج على عروض الخليل وتبني التفعيلة وحدة للبناء، إلى قصيدة النثر التي في شأنها اختلاف كبير (تشظي، خروج، ثورة...) فالخروج كان في الشكل أكثر مما كان في الرؤى والمضامين والمواضيع.

إن التطور لا يتعلق بالأشكال التي يمكن أن تقال فيها القصيدة، ذلك أن تجارب عديدة أثبتت تغير الشكل دون أن يطرأ أي تحول في مستوى المضمون.

إن التحول الذي يمكن أن يعكس تطورا في مباشرة المواضيع إنما هو التغير الذي يتعلق بالرؤية، وهذا أمر نعتقد أنه غاية في الأهمية؛ لأنه يعكس انتقالا من وضع إلى آخر، ومن أسس في التعامل مع الأشياء إلى أسس أخرى قادرة على أن تستكنه الأمور على نحو مغاير، وقد يكون الشاعر نفسه واعيا بهذه القضية، ولكنه لا يستطيع أن يبدل الأمور؛ لأن الرؤية انسجام مع منظومة اجتماعية وثقافية معينة.

القول في المرأة: الشعر والواقع

إن أبرز ما ميز العبارة الشعرية في كل الثقافات نزعتها إلى تجاوز اليومي والعرضي العابر؛ لتتعلق بالكون المتعالي المطلق. فلو نظرنا إلى موضوع المرأة من هذه الزاوية لأمكن لنا أن نلاحظ أنه ظل في أغلب القصائد على ما كان عليه قديما، ولم يشهد تطورا إلا في بعض القصائد مع شعراء كبار كدرويش ونزار، ولم يعبر الشاعر عن التحول الذي تعيشه المرأة وبقيت معاني الحب هي المعاني التي عبرت عنها قصائد الغزل منذ أزمنة، ولم يفصح الشاعر عن تغير ما في حياة المرأة في ذاتها وكيانها ودورها داخل المجتمع. فالمرأة التي تتغنى بها قصائد الغزل هي امرأة نموذج لا تتغير، فهي >القمر< >لا عيب فيه< ولا تشوب جماله شائبة، هانئة سعيدة لا شيء يعكر صفو حياتها؛ لأنها من جنس الملائكة تعيش في عالم من السحر والجمال، ولا علاقة لها إلا بكون الشذى والطيب والنعيم. فهي ليست جائعة ولا تسعى في طلب رزقها. ليس فيها أي عيب مهما ضؤل، ولا تحمل أي هم مهما كان أمره. وهي امرأة لا نراها إلا في القصائد ولا نلقاها إلا بين دفتي ديوان.

فهل يعبر الشاعر عن حقيقة المرأة وهو يتغنى بها؟ ولماذا كان بعيدا عن عالمها الحقيقي؟ وكيف يمكنه أن يفصح عن همومها ويعبر عن مشاغلها؟ لقد كان شاعر مثل مريد البرغوثي واعيا بذلك.

ففي قصيدة مهمة تحمل عنوان >الحب< أبرز البون الشاسع بين الحب في القصائد والحب في الواقع. يقول:

الشعر يحتفي بحلوة وحيدة المثال والمثل

كأنها مرشوشة بالسحر أو بالنور

من أين يأتي كاتبو قصائد الغزل

بكل معبوداتهم إذن

من أي كوكب بناته كواكب!

فلا هناك من على خدودها حب الشباب صدفة

أو شعرها مجعد أو سنها مكسر

ولا هناك من لها وظيفة ولا عمل

ولا هناك من على عيونها نظارة

أو صدرها ململم صغير

وليس منهن واحدة تتابع الأخبار أو تطالع الجرائد.

فحب الشعراء - كما يصفه البرغوثي - هو حب ادعاء وغرور وذات منتفخة تعتبر نفسها فوق الآخرين، تركب خيل خيلائها بحثا عن إرضاء نرجسيتها. وفات أصحاب هذا النمط من القول أن زمن الفرسان انتهى، وأن الحياة المعاصرة لها خصائصها التي تختلف عن الحياة التي حفلت بها مغامرات عشاق قصص الحب:

الحب في قصائد الإنشاء

غرور فارس يسير في طريقه

لفتح أرض السند

يكون سيدا على خيوله

وسيدا على سرير هند

فما كان قضية زائفة لا يعيرها المتلقي اهتماما ولا الشاعر بدوره، وهو هل يصدق أو لا في ما يقول صار من الإنشاء والكذب، والذي ينبغي تجاوزه في العصر الحديث لتغير المعطيات والظروف والحاجات الأكيدة الباعثة على التبدل والتحرر من القيود الماضية بكل أشكالها:

الحب في قصائد الإنشاء كذبة وكذبة

ومثله كتابة الأمجاد والأوطان

والتاريخ والحروب والمواجع التي نكابد

وكلها كالحب في الحياة غير الحب في القصائد

هكذا نجد في بعض التجارب الشعرية دعوة إلى التخلي عن مواصفات المرأة النموذج؛ ليصبح الشعر أقرب إلى متطلبات العصر الحديث؛ فالمرأة العصرية ليست دائما الكائن الجميل المعشوق المطيع الذي يلبي رغبات الفارس السيد، وإنما هي كائن مريد يحقق رغباته متى يشاء، وبالكيفية التي يراها، وعلى النحو الذي يستجيب إلى مبتغاه. انظر مثلا قصيدة البرغوثي >امرأة<؛ فالمرأة المذكورة في هذه القصيدة امرأة غربية تركب المترو وفي يدها كتاب وتدعى >لاقا<. ولا تغيب عنا دعوة الشاعر إلى ضرورة مواكبة الشعر العربي المعاصر لقضايا عصره، وضرورة تغير كيفيات القول في الحديث عن علاقة المرأة بالرجل، فهل يعني ذلك موقفا من الشاعر لأن تكون المرأة العربية موصوفة على النحو الذي وصفت به المرأة الغربية في هذه القصيدة، وهل يعني هذا أن مواكبة العصر تعني النزول من علياء الإطلاق إلى واقع الحياة بما فيه من رغبة وعلاقات مغايرة لما جاءت عليها قصائد الغزل القديمة؟

نضجت على قلق الحياة وفي المضائق

سيدة على أقدارها

وتكاد تلهو بالصعوبة، ثم

تنسى كل ما ينسى إذا ارتعشت

وتذكر كل شيء وهي تعلم أنه

لا شيء يخجل من أوانه

ترمي قميص النوم في فرح وتخرج منه

لاقا!

لا مراهقة تلاطف بالدمى أو بالكلام

ولها المشيئة دائما لكنها

تدري حلاوة أن تسلم كل قلعتها

وأحيانا تسوسك كي تساس على هواها!

هي حرة أو عبدة حسب الهوى

وتريد لذتها مذاقات وإصغاء ورائحة ولمسا

وترى صباحا داخل المترو وفي يدها الكتاب

فلقد كان الشعر الحديث واعيا بالتغيرات العميقة التي حصلت للمرأة في كل بلاد الدنيا، ولم تكن المرأة العربية غريبة عن ذلك. لكن الإشكالية كانت كيف يعبر الشاعر عن علاقته بالمرأة وإحساسه نحوها، وهو واع تمام الوعي بما طرأ على حياتها من تطور؟ ولكنه مشدود في الآن نفسه إلى شبكة من الرؤى والأخيلة والقيم، ظلت هي المحددة لكل مسارات التعامل معها. فهل نذكِّر مرة أخرى بأن نسق الحياة يمكن أن يسارع في التطور، ولكن نسق الأخيلة والرؤى والقيم والتقاليد يظل ساكنا في تطوره يتحرك، لا تدري إن كان إلى الوراء أو إلى الأمام، ولا تستطيع أن تجزم أنه تزحزح عن القديم خطوة ليبتعد عنه، أو ليعود إليه من حيث ابتعد.

نزار قباني: المرأة كونا شعريا

لا جدال في أن نزار قباني طور تطويرا عميقا تناول الشعر للمرأة على أصعدة عديدة، وقعت الإشارة إليها من قبل الشاعر نفسه في ما كتب وأجرى من أحاديث كثيرة، وأشارت إليها الدراسات العديدة التي أجمعت على أن المرأة هي شمس كونه الشعري، والضوء الغامض فيه. ومن أبرز ما يمكن أن نشير إليه في هذا السياق هو تلطفه في إنشاء صورة للمرأة توافق العصر، بما فيه من حرية وتأنق وطرق مستحدثة لإبراز الجمال والمفاتن، فلقد كان نزار شغوفا بهذا الجو المخملي الذي كان يلف حياته ويرشح على تصويره؛ بحيث لا يجعلنا في حاجة إلى أن نسوق الأمثلة للإقناع بما نقول.

لا تسرعي: فالأرض منك مزهرة

ونحن في بحيرة معطرة:

إلى صديق أم ترى لموعد؟

تائهة كالفكرة المحررة

والبسمة النعماء: فوق مبسم

مسترطب تخجل منه السكرة

تقلبي، حديقة مخضوضرة

تدفقي شلال عطر: والعبي

على نجوم المغرب المكسرّ

في هذه القصيدة يتواصل هذا الدفق من الصور متنقلا بعد وصف الشذى والروائح اللطيفة والماء المنسكب شلال عطر والمداخلة بين المرأة وأجواء الموسيقى الصاخبة المعبرة، ينتقل إلى وصف فيه اهتمام بفتنتها وفيه أيضا دعوة إلى أن تشاركه حيرته وما يذهب هذه الحيرة:

ما ضر لو شاركتني مائدتي

في هذه الخمارة المثرثرة

فلقد أصبح في هذه القصيدة اللقاء والدعوة إلى اللقاء في العلن في المقاهي أو في الخمارات أو في أماكن ما كنا نصادفها في الشعر القديم، ولا شك في أنها من نتائج تبدل الحياة وتغير العلاقات في المجتمع بفعل التحولات الهائلة التي نالت الرجل والمرأة على حد سواء. ولا فائدة في الإطالة في هذا الجانب؛ فلقد توسع بعض الباحثين لإبراز موقف نزار من المرأة، التي تؤكد بلا شك على ما حصل من تطور في تناول هذا الموضوع واختلافه عن الشعر العربي القديم.

إلا أننا مع ذلك نريد أن نلح على ما يتراءى اهتماما مبالغا فيه، ربما بجسد المرأة الذي قد يكون كما ذكر بعضهم متأتيا من شهوانية عارمة، أو نظرة ذكورية تبقي المرأة في المنزلة التي وضعتها فيها أزمنة طويلة من القهر والاستبداد. ونحن نقول إن لنا في المسألة رأيا عبَّر عنه نزار نفسه مرات عديدة في محاولة لتفسير هذه الصورة الطاغية على تناوله.

ولئن قيل عن هذا الشعر في العلن إنه شعر خارج عن القانون، على رغم احتفاء وهؤلاء بهذا الشعر، وقراءته في كل المناسبات بكيفية لا نعتقد أن شعر شاعر آخر في تاريخ العرب عرف من السيرورة ما عرفه نزار قباني؛ فلأن المنظومة الحاكمة في المجتمع المؤطر له، المحدد لسلوكه.

وهذا الذي نذهب إليه من حرص عنده على حرية المرأة وامتلاكها لذاتها وجسدها هو على النقيض من بعض الآراء التي روجتها أوساط المحافظة، وبذلك اعتبر نزار تاجر لحم. ولعل ما يدعم رأينا في ما قلنا من أن المرأة هي شمس كونه الشعري، تشع على كل المواضيع التي تناولها، أنها مدخله إلى التاريخ ويعرف المهتمون به كيف أكد تلك الهوية العربية لإسبانيا، بما بقي من الأندلس في عيون نسائها وخصلات شعورهن، ففي أندلسياته كانت المرأة صلته بين الحاضر والماضي، ومن خلال مشاهده في حدائق قرطبة كان يؤكد عروبة هذه الجهة، ويصل تاريخها الحاضر بتاريخها الماضي:

شوارع قرطبة في الظهيرة

حقول من اللؤلؤ الأسود

فمن مقعدي

أرى وطني في العيون الكبيرة

أرى مئذنات دمشق

مصورة فوق كل ضفيرة

كذلك نجد أن كثيرا من قصائده السياسية المعروفة هي قصائد ارتكز فيها النقد السياسي على تشييء المرأة واعتبارها وعاء لذة الرجل. ومن هنا نتبين أن المرأة عند نزار لا يقف أمرها عند مجرد الشكل الجديد، ووصفها كامرأة عصرية تخرج إلى الشارع، تدخن التبغ، وتقرأ الجرائد، وتجلس في مدارج الكليات، وتتزين بزينة تتماشى والعصر، وإنما تجاوزت المرأة عند نزار ذلك فأصبحت المدخل الرئيسي إلى أغلب القضايا التي نصادفها في شعره. فعلى أساس الموقف منها والنظرة إليها يبني مواقفه من مجتمعه وقبيلته، ومن السياسات المختلفة المتبعة في عالمه العربي:

عندما كان الوطن يشنق الوطن

كنت على مسافة أمتار من الجريمة

أراقب القتلة

وهم يضاجعون بيروت كجارية

ويتناوبون عليها

واحدا

واحدا

وفقا لبروتوكولات القبيلة

والامتيازات العسكرية

والرتب العسكرية

(...)

لماذا قاتل طارق بن زياد

من أجل دخول الأندلس

ولماذا قاتلت أنا

(...)

حتى يسمح لسفني

لدخول مياه عينيك الإقليمية

>بيروت تحترق وأحبك< من الكتاب الثالث عشر إلى بيروت الأنثى مع حبي. المجموعة الكاملة ص 163 - 173.

وإنه لمما لا يحتاج إلى بيان أن المرأة وكل الحقول الدلالية التي تمت إليها بصلة باتت بالنسبة إلى نزار قباني اللغة التي تعبر بشكل أفضل من كل لغة عن أدق خلجات وجدانه من القضايا الكبرى التي كان يصطلي بنارها، وكانت استعارته وكل بلاغته التي تمكنه من الإفصاح عن موقفه إزاء القضايا السياسية الكبرى، التي مثلت لردح من الزمن الإشكالية المزمنة الناضحة دما ومعاناة ويأسا؛ فالمرأة بوابته إلى دخول التاريخ، وهي أيضا مسلكه للتعبير عن موقفه من القضايا الكبرى في التاريخ والحياة ومجريات الأحداث. فهي ملاذه، وهي عبارته، وهي لغته، هي كونه الذي يطير فيه محلـــــقا لا تعترضه فيه حواجز ولا يصطدم فيه بحدود.

لقد كان نزار قباني واعيا أن المرأة هي بوابته لولوج فضاء تحديث الشعر العربي، فالمرأة والحداثة عنده صنوان لا ينفصلان؛ فالمرأة طريقه وخطيئته في آن معا، يعي ذلك ويعبر عنه إذ يقول:

خطيئتي...

أن أظل دائما...

منتظرا قصيدة...

تجيء من شواطئ الغرابة

وإنني أدرك يا حبيبتي

كيف يكون الموت في الكتابة...

خطيئتي...

أني نقلت الحب من كهوفه

إلى الهواء الطلق

وأن صدري صار يا حبيبتي

كنيسة مفتوحة لكل أهل العشق...

(المجموعة الكاملة، المجلد الثاني، ص 33)

ولئن كان نزار قباني قد اشتهر بكونه شاعر المرأة ينتقل في شعره من موقف إلى موقف مغاير تماما، من دون أن يكون الشاعر واعيا بذلك تمام الوعي؛ فلأن الرؤى تنسرب بصفة لطيفة عن طريق الأخيلة والصور الشعرية التي يقوم عليها الشعر. فهذا التغير البطيء من طبيعته أن يسم هذه التجربة بالتفاوت في تناول ذات الموضوع والاختلاف والتناقض عند الشاعر الواحد أحيانا. فقد تجد عند الشعراء المحدثين - ونزار واحد منهم - صورا وطرائق قول ومعتقدات تختلف في موضوع ما عن الصور والطرائق والمعتقدات التي تناول بها الشاعر القديم الموضوع نفسه، ولكنك تجد إلى جانب ذلك مناخات وطقوسا تعرف أنها متحدرة من ثقافة الشاعر ومن انتمائه، وأنها نتيجة بطء تغير الرؤى والتصورات ووقوع الشاعر تحت هيمنة هذه الرؤى المحتجبة في ثقافته.

ولقد كفانا أحد النقاد المعاصرين (مقال صبحي حديدي: >أي نزار تسلسلون؟ المنشور بجريدة القدس العربي، عدد 5093، 10 أكتوبر 2005) مؤونة تحليل أهم مواقف نزار من المرأة، من كونه حليفا تقدميا لها في قوله:

يا لصوص اللحم... يا تجاره

هكذا لحم السبايا يؤكل

منذ أن كان على الأرض الهوى

أنتم الذئب ونحن الحمل

نحن آلات هوى مجهدة

تفعل الحب ولا تنفعل

إلى نزار الشهواني المرح الجذل العاشق الطرب في قوله

منضمة مزقزقة

مبلولة كالورقة

سبحانه من شقه

كما تشق الفستقة

نافورة صادحة وفكرة محلقة

ويمكن إضافة إلى ذلك أن نشير إلى ما سميناه سيطرة الرؤى القديمة، ويمكن أن نجد لذلك أمثلة عديدة نختار منها موضوعا أدبيا شغل الكاتب والشعراء والمفكرين على مر العصور، وأصبح في القرن التاسع عشر من المواضيع الأدبية التي نكاد نصادفها عند كل الكتاب الكبار، وهو موضوع البغي، ولنزار في هذا الموضوع قصيدة مشهورة فيها في الظاهر تعاطف معهن، وذكر لسوء منزلتهن وانحدار سلمهن الاجتماعي، وفيها خاصة احتجاج على رد المرأة إلى وضع المتاجرة بجسدها، وهذا كله مهم، ولكن صور نزار وطريقته في بناء موضوعه لم تسمح له بالتحرر من البنية المسيطرة التي ورثها من انتمائه إلى ثقافة بعينها؛ بمعنى أنه لم يستطع أن يخلص الموضوع من زوائده الاجتماعية ليحوله إلى موضوع أدبي فقوله مثلا في تلك القصيدة:

إنها الخمسون ماذا بعدها؟

غير هذا الخزي.. هذا العفن

غير رب كنت لا أعرفه

وأراه اليوم لا يعرفني

يقرن البغي بالكفر والإلحاد، وهي صورة تضعها في وضع اليتم والضياع والخسران في الآخرة لأنها في شبابها زهت بجسدها فأقبلت على مهنتها غير مراعية للموانع الدينية والأخلاقية، ثم لما وصلت إلى سن اليأس وجدت أن الله الذي كانت قد نسيته قد نسيها، وهي صورة مغرقة في التقييم، راشحة بأخلاقية تفسد الموضوع الأدبي؛ فإنك متى رجعت إلى الآداب العالمية لن تجد مثل هذه الصورة، أو بالتحديد مثل هذا الفصل بين البغي والتوحيد، ولن تجد هذا اليتم الذي تعيشه هذه البغي في علاقتها بالرب. ونلح هنا على هذه المسألة الأساسية في نظرية الأدب، وهي القدرة على إعطاء المواضيع من هذا القبيل بعدها الإنساني العميق، وإخراجها من سطوة منظومة أخلاقية متحكمة.

وهذا يحيلنا من جديد على مسألة الرؤى؛ إذ هي مسألة أساسية لا تسيطر على المجتمع الذي ينتمي إليه الشاعر فقط؛ ولا يقف فعلها عند حد؛ لأنها تتسرب إلى الشعراء أنفسهم من مناطق اللاوعي؛ عندما يتعاملون مع مواضيعهم تعاملا يريدونه إيجابيا تقدميا حرا، ولكنهم كثيرا ما يقعون في دائرة سحر بعض الصور الشعرية المسكونة برؤية قديمة.

المرأة: الواقع والفن

لا شك في أن القضية التي ينبغي أن تُطرح في هذا السياق هي الفرق الشاسع بين الحياة والفن، فالحب عاطفة إنسانية وجدت منذ وجد الإنسان. والإشكال النظري كيف يحول الفن المرأة من موجود إلى غرض أدبي. وما هي الآليات المختلفة التي يعتمدها لتحقيق هذا الغرض؟ فلتحويل الحياة إلى موضوع أدبي هناك آليات مختلفة من أبرزها إطلاق النموذج المثال؛ فتتحول المرأة من امرأة إلى >المرأة<، وتحويلها إلى موضوع أدبي يعني في جملة ما يعني تغييبها والاستعاضة عنها كموضوع اجتماعي تاريخي، بموضوع متسام متعال. إنها تغيب لتتحول من الحياة إلى الصورة، من كائن حي إلى صورة إلى أيقونة.

ولكن على رغم كل المآخذ التي يمكن أن تثار في هذا المجال، أليس ذلك هو القاعدة التي تحكم الفن مهما كانت مادته. فهو ليس محاكاة للواقع ولا اجترارا للموجود، وإنما هو تطلع وحلم وضرب من نسج لعوالم وليس بالضرورة رسما للواقع. إنه يتجاوز الحقيقة وينقض الواقع وينحت الرؤى وفق ما يريد الفنان، لا وفق ما تريد قوانين الحياة ونواميس المجتمع.

إن تحكم الرؤى وانسراب ما تراكم في تاريخ التجارب الشعرية والممارسات الاجتماعية أمر لا بد أن نقر بسطوته وتغلبه، ولقد اهتمت الفلسفة الحديثة بهذا الجانب اهتماما واسعا، وبينت في كثير من الدراسات - من بينها مثلا دراسة الفيلسوف الشهير كاسيرار E. Cassirer في فلسفة الأشكال الرمزية - أن التصورات والرموز والأخيلة هي أصعب الأشياء انبناء، ومن ثم أقلها تحولا. يقتضي تغيرها مدة طويلة، وهي لا تتغير إلا ببطء شديد على رغم التغييرات التي تصيب الواقع وتغير منه.

ولذلك ليس من حقنا أن نطالب الشاعر الحديث ولا تجربة الشعر الحديث بأن تكون في معالجتها لمواضيعها في واد منقطع تماما عن تجارب الكتابة التي استقت منها، وبريحها جرت.

وبناء على ما تقدم، فإن الشعر الحديث لا يمكن أن يكون الصورة المقابلة للشعر القديم، مهما كان عمق الحراك الاجتماعي وتغير أساليب العيش وانبناء شبكات علاقات جديدة في كل وجه من وجوه الحـــياة. فلا يقع التغير في الكتابة وهي سليلة المخيال والرمز كالانتقال من الحار إلى البارد، أو من الأسود إلى الأبيض، وبهذا نقف أمام كل الذين يشككون في جدوى الشعر الحديث؛ لأنهم وجدوا فيه أشياء من القديم.

الشعر والمسألة الوطنية

إن التجارب الشعرية في حرصها على إبراز وعيها بالتغييرات الحاصلة في الواقع، وبما تعانيه شعوبها من تخلف عن ركب الحضارة والتمدن، متشابهة ولكن أغلبها ظل حديث لحظة الوعي التاريخية العابرة، ولم يخرج من طوق القضية إلى أفق الشعر، بما يقتضيه من كونية، فأنت تقرأ نماذج لا يخالجك الشك في صدق وطنيتها، ولكنك تقتنع في الوقت ذاته بأنها لا تنتسب إلى الشعر إلا من جهة نوايا أصحابها.

وهذا نجده في جميع أقطار البلاد العربية، ويمكن أن أمثل على ذلك ببعض الأمثلة من الشعر التونسي. انظر مثلا محمد الشاذلي خزندار ودعوته إلى التخلص من الاستعمار الجاثم على البلاد والعباد في ذلك الوقت، حيث يقول في قصيدة عمودية:

يا ابن البلاد وفي يدك زمامها

والحل لو أحببت والترحال

إن التي اغتصبت بلادك قصدها

استغلالها ومرادنا استقلال

فكلاهما أبدا على طرفي

نقيض والوفاق محال

(الديوان، الجزء الأول، ص 101)

فالشعر بالنسبة إليه أداة من أدوات التحرير، لا يختلف عما يحتاج إليه النضال الوطني من وسائل أخرى فهو يقول:

ما المسجون مثلي اليوم إلا

كمثل النار تكمن في الزناد

وما الأشعار إن جاشت بصدري

سوى قضب مسددة حداد

أذود بها عن الوطن المفدى

وأحمي تونس الخضراء بلادي

(الديوان، الجزء الأول، ص 89)

ولا شك في أن هذا الضرب من القول كان محتفى به يجد رواجه بين جمهور القراء، ولعله قام بدور ما أو اضطلع بمهمة ما في معركة التحرير الوطنية، ولكن هل يمكن أن نعده تجربة شعرية خالدة بما تقتضيه التجربة من عبور للزمان والمكان، ومن خروج على العواطف التي تكون إيجابية في مجالاتها، ولكنها قاصرة عن أن تكسب التجربة من عبور للزمان والمكان، ومن خروج من العواطف التي تكون إيجابية في مجالاتها، ولكنها قاصرة عن أن تكسب التجربة الشعرية من حيث هي تجربة قيمة معينة، فالشعر يكون شعرا وفق استجابته لشرائط الفن وليس لمجرد صدق العاطفة، سواء كانت وطنية أو غيرها. وهذا ينطبق على عدد كبير من الشعراء نقرأ لهم ونتفهم قولهم في الظروف التي جاءوا فيها، ولكننا لا نستطيع أن نعدهم من فحول الشعراء، إلا من بوابة التعاطف مع ابن الوطن الثائر على المستعمر. نقول هذا في الشاعر خزندار، وقد نستطيع أن نقول مثله في محمود قبادو وأحمد مختار الوزير وعبدالرزاق كاراباكة وغيرهم.

فلقد لاحظنا في التجارب التي نعرف أصحابها -  كتجارب الشعراء التونسيين مثلا - أنهم انغمسوا - بعضهم على الأقل - في هذه القضايا انغماسا شكليا يحدوهم حماس المشاركة في بناء دولهم المستقلة، التي لم تستطع، رغم كل ما ذكرنا، أن تخرج من دائرة الأيديولوجيتين الكبريين المسيطرتين على العالم في ذلك الوقت، وهما الأيديولوجية الشيوعية والأيديولوجية الرأسمالية. وقد كان معظم هؤلاء الشعراء ميالين إلى منظومة الأفكار اليسارية، بحكم ما كانت تمارسه عليهم من إغراء لاقى في نفوسهم هوى، باعتبار أنهم ينتمون إلى شعوب كانت صودرت هويتها وصودرت أصواتها، وصودر كل ما يمكن أن يذكر بكيانها وتاريخها، فأصبحت الساحة الشعرية تردد أغلب الشعارات التي كانت تروجها الشيوعية، ويروجها اليسار من نوع العدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية >الطعام لكل فم< والتوق إلى الحرية في كل أشكالها، ومن ضمنها التوق إلى تقرير المصير.

ولا شك في أن الاستجابة لهذه الدواعي كانت تناسب الأشكال الجديدة في الفن، وكتابة الشعر أكثر مما تناسبه الأشكال التقليدية. لأن الشعر أصبح من واجبه القيام بوظيفة الاستنفار والجمع وإقناع الناس بهذه الآراء؛ لكي تقوم الدولة الوطنية على أساسها حرة عادلة، تزخر بكل ما يؤسس ذات الإنسان ويبقي كيانه.

ولكن الثمن كان باهظا، ذلك أن الاستجابة لهذه المقتضيات حولت الشعر عن بنيته إلى وظيفته، وأصبحت قيمته في قدرته على إحداث التأثير في الناس وجمعهم حول الفكرة أو الرأي. فتحولت الكتابة في الغالب إلى ما يشبه الشعارات أو الخطب، لأن تحقيق الوظيفة كان يتطلب نصا واضحا مكتوبا في الغالب في الدرجة الأولى، كما نقول ليس له معنى زائد عن المعنى الذي نستشفه من سطحه، ولم يستطع الإفلات من قبضة التوظيف في هذا الميدان إلا قليل من الشعراء، لا نبالغ إن جعلنا السياب على رأس الجيل الأول منهم؛ ونلح إلحاحا شديدا على مفهوم الصلة بين البنية والتوظيف؛ لأن الأمر يبدو لنا ويبدو لجميع النقاد شاهدا على أهمية التحول الذي طرأ على تصور الشعر، بل يمكن أن نقول أكثر من هذا. فهذا الوضع يساهم في تغيير المنظومة التقويمية، التي من خلالها نظروا إلى الوضع؛ فأصبح الشعراء يتقدمون ويتأخرون لا بما في شعرهم من أساليب وصور بديعة وطرق مستحدثة، وإنما بمدى مساهمتهم في ترويج الفكر اليساري والحديث عن القضايا من زاوية النظر التي يحدثها هذا الفكر.

وهذه قضية من القضايا الكبرى التي لا بد من الانتباه إليها في التأريخ لحركة الشعر الحديث. وقد اعتبرنا السياب استثناء في الجيل الأول؛ لأن رائعته >أنشودة المطر< طافحة بهذه القضايا، وتبرز فيها خيارات الشاعر الأىديولوجية الكبرى، وينضح منها طموحه إلى قيم كانت عزيزة على جيله، ولكنها أيضا تطفح بالشعر وبالصورة البديعة التي سلك فيها صاحبها مسالك لم تطأها أقدام الشعراء قبله، وقد كفانا الدارسون استعراض شعرية هذه الرائعة أمامكم.

انظر إلى قوله العجيب والقصيدة عجيبة، كلها رائعة من روائع الفن:

في كل قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنة الزهر

وكل دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد

أو حلمة توردت على فم الوليد

في عامل الغد الفتي واهب الحياة!

مطر...

مطر...

مطر...

مطر...

محمود درويش: شعر القضية وقضية الشعر

وما قلناه عن السياب، وهو في الجيل الأول، يمكن أن نقوله عن محمود درويش.

فهذا الشاعر الذي ينشر أشعاره بانتظام من سنة 4691 إلى الآن، كان له الوقت الكافي لكي يعمق تجربته ويتعمق في مفهوم الكتابة الشعرية بما حصل له من تجربة شخصية، وبما حدث في سياقه التاريخي من تحولات أبانت عن هشاشة كثير من المعتقدات التي كان يؤمن بها، كما آمن بها أبناء جيله، وبما اطلع عليه من تجارب شعرية كبرى، واحتك به من فنانين كبار، ربطته بهم صداقات معروفة، إذ شاعر ينادي رفاقه في نصه >عن الشعر< من أوراق الزيتون قائلا:

يا رفاقي الشعراء!

نحن في الدنيا جديدة

مات ما فات، فمن يكتب قصيدة

في زمان الريح والذرة

يخلف أنبياء

قصائدنا بلا لون

بلا طعم... بلا صوت!

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت!

وإن لم يفهم >البسطا< معانيها

فأولى أن نذريها

ونخلد نحن... للصمت

ص (54 و 55)

واضح من هذين المقطعين انتماء الشاعر المذهبي وما يلزم عنه من طريقة في الكتابة تتقدم فيها الوظيفة على كل شيء، وهذه الوظيفة هي التنوير والفهم. وهذا الفهم ليس مقصورا على المتعلمين والمثقفين، وإنما يجب أن يمس البسطاء وهم الطبقة المسحوقة التي لم تنل حظا لا قليلا ولا كثيرا من التعلم؛ لذا هو يدعو إلى أشعار في متناول جميع الناس. هو فن لا بد أن يكون جماهيريا وإلا دعي الشعراء للصمت والسكوت والإقلاع عن قول الأشعار، إن لم تكن بالصفة التي ذكرنا. وتؤكد الفقرات الموالية التي لم نذكرها هذا التأويل.

فلعل السؤال المطروح ههنا هو كيف نتصور وظيفة الفن، وظيفة الشعر؟ هو سؤال انتبه درويش في مرحلة نعدها حاسمة من مسار تجربته الشعرية إلى أن الكتابة الشعرية تقتضي منه أن يفي بحق الشعر قبل كل شيء، وكان واعيا بضرورة أن ترحل القصيدة نحو اكتمالها، نحو ذاتها، نحو ما يجعل منها فنا قادرا على أن يتجاوز القضايا الوطنية الضيقة إلى القضايا الكونية. ولا يتم ذلك إلا بتغيير نواميس الكتابة والوقوع في شروط الكتابة الشعرية الحقة، التي هي في الأساس سعي إلى معانقة النص المطلق.

لقد كان شعر درويش شعرا موضوعه يقع خارجه، له مواصفات مباشرة، مبذولا ليفهمه الجمهور الواسع. هو قريب من الخطبة ولغته أشبه ما تكون بالشعارات، هو شعر مندوب لخدمة قضية: انظر مثلا قوله من قصيدة >نشيد للرجال<.

ويشتمنا أعادينا: >هلا... همج هم... عرب<

نعم! عرب

ولا نخجل

ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل

وكيف يقاوم الأعزل

ونعرف كيف نبني المصنع العصري

والمنزل...

درويش >عاشق من فلسطين<، المجموعة الكاملة، ص 151.

فالخطاب انفعالي مباشر يعبر عن موقف من القضية، لكنه موقف أقرب إلى النضال السياسي منه إلى العبارة الشعرية المحككة.

أو قوله من قصيدة >أغنية حب على الصليب<

مدينة كل الجروح الصغيرة

ألا تحمدين يدي؟

ألا تبعثين غزالا إلي؟

وعن جبهتي تنفضين الدخان... وعن رئتي؟!

حنيني إليك... اغتراب

ولقياك... منفى!

أدق على كل باب

أنادي وأسأل كيف

تصير النجوم تراب

فالعبارة عنده مازالت في طفولتها، تعبر عن إحساسها تعبيرا مباشرا. المجاز فيها أقرب ما يكون إلى الحقيقة، والاستعارة تكاد تغيب والألم أشد وطأة من نداء الشعر، والمأساة أقوى من أن تتحول إلى استعارة، إلى فن.

ولا شك في أن في حركات التحرر الوطني جميعا كافح الشعراء في سبيل اختيارات اجتماعية معينة، ففي تونس روج شعراء حركة التجديد للأفكار السياسية والاشتراكية، وسواء كتبوا في العمودي أو في الحر، فقد سعوا إلى المساهمة في دفع الساسة إلى خيارات كبرى تدور حول ما كان يعد - آنذاك - مثلا اجتماعية واقتصادية، وساهم الشعر في المطالبة بالحرية والكرامة الوطنية. فالشعر حاضر ساهم على طريقته في حركة التحرر وتصور بناء الدولة، ولكن حظه من الشعر يبقى في رأينا قليلا فهو شعر خطبة وشعارات ودعوة إلى اختيارات يقول القديدي مثلا:

أحب الأرض أنبشها بأظفاري

وأمنحها ضميري ساعدي أبني بها داري

فتحييني وأحييها وأمنعها من الدخلاء والعار

وأعطيها إذا ما مت قلبي هيكلي العاري

فالقضية إذن أين ننزل الفن؟ أفي مستوى الوسائل والآليات التي تتضافر لبناء شيء معين، أم أنك تجعل منه شيئا يخلق عوالم جديدة ورؤى جديدة تدفع بالمسائل إلى مسالك جديدة راقية.

وإذا ما عدنا إلى درويش - من هذه الناحية بالذات - نلاحظ أنه تحول من شاعر قضية ليصبح الفن بالنسبة إليه هو جوهر القضية. وكان السؤال: هل وظيفة الفن هي التعبير المباشر عن قضايا الأمة؟ وما الذي يجعله آنذاك مختلفا عن سائر الخطابات الأخرى السياسية والإعلامية والقانونية... أم هو يتحرك في فضاءات أخرى ويباشر القضايا بطرق أخرى تتحول معها إلى مسائل كونية. فدرويش الذي كان ينادي بمثل هذا تحول بعد نضج تجربته بعد ثلاثين سنة تقريبا إلى تصور للشعر وممارسة له بعيدة عما كنا فيه. بل إنه أصبح يعتقد اعتقادا راسخا أن مهمة الشاعر الأساسية هي الوصول بشعره إلى أبعد نقطة تحقق كيانه كشاعر، ومن مقتضيات ذلك أن تصبح حركة القصيدة في اتجاه ذاتها، وأن تحول موضوعها - الذي كان خارجها - إلى أدوات تبنيها لتخرج بها من الوطنية الضيقة إلى رحاب العالمية، وفي اعتقاده أن هذه الطريقة في الدفاع عن الأرض والدفاع عن الحق أهم بكثير من كتابة القصائد التي تستجيب لما كانت حاله في قصيدته الأولى عن الشعر. وأصبحنا نراه لا يتردد في بقية دواوينه >أرى ما أريد< و>أحد عشر كوكبا< و>سرير الغريبة< من أن يعتبر >أشد الوضوح الغموض< وأصبحت فلسطين استعارة، والاستعارة هي التي يتقوم بها الشعر. إذن فالأرض، والتشبث بالأرض، والدفاع عن الحق، تصبح هي الأدوات التي تبني الشعر وليست شيء خارجه.

ولئن وجد درويش صعوبة في إقناع شق من الناس لم يقبل هذا التحول، فإننا نعتقد - من وجهة نظرنا - أن تحويل القضية إلى ناموس من نواميس الكتابة، وتحويل النص الشعري كله إلى >سيمفونية< تلهج بهذا الوطن وتثبته في ذاكرة الإنسان، باعتباره من الكتابات القديمة المؤسسة، كالمآسي القديمة، من شأنهما أن يكسبا القضية بعدا لا يكون لها إن نحن اقتصرنا على دائرة من يعيشها، باعتبارها انعكاسا لواقع في نص لا عمق فيه ولا أبعاد.

وهكذا أصبح درويش بتطور تجربته الشعرية واطلاعه على كبريات التجارب العالمية في الشعر، وقراءته المتعددة تحرجه أشعاره في الفترة الأولى إذ فهم أن خدمة القضية تكمن ليس في تطويع الشعر لخدمتها، وإنما في تطويع القضايا لخدمة الشعر، ولا يكون ذلك إلا بتطوير أساليب الكتابة، وتحويل ما كان قضية إلى مادة تتضافر الوسائل والآليات لبناء شيء يخلق عوالم جديدة ورؤى جديدة ولغة شعرية جديدة، ترتقي لخلق كون شعري لا تقيده القضايا، وإنما يسمو بها على فضاءات الخلود. وصار يرى الخدمة الحقيقية للقضية هي أن يحوله بالفن إلى قضية كونية يمكن لكل فنان مهما كان عصره ومكانه أن يرى فيها نسغ الفن الخالد، فتتحول إلى قضية كل فنان كل شاعر حق. فالشعر كيان مستقل لا يمكن أن يكون مجرد أداة في خدمة الواقع. وإن في اعتباره كذلك افتقارا لسلطته وقلة فهم للطاقات العجيبة الكامنة فيه.

الشعر والكونية:

فالتحولات العميقة التي شهدها الشعر العربي الحديث جعلتنا نبتعد قليلا قليلا عن الجوانب الموضوعاتية أو القضايا التي ينبغي أن تعبر أكثر عن روح العصر إلى الاهتمام بالخصائص التي تحقق للشعر كيانه، من حيث هو ظاهرة فنية ينبغي أن تستجيب إلى شروط الفن قبل أن تستجيب إلى دواع أخرى، مهما كانت، لأنها على أهميتها هي ظواهر من خارج الشعر. وعــــندما نقـــول هذا فلا نعني أن الشعر يحلق بعيدا عن أي موضوع، أو أنه متعال عن أي قضية راهنة، فهذا لا يمكن أن نفكر فيه، ولكننا نريد أن نقول إنه يعبر عن قضاياه وفق شروطه هو، وحسب ما يحقق له كينونته الفنية، وليس بسبب الظرف الراهن وحرقة المسألة، وضغط الاهتمامات المباشرة. هو يدخل الراهن والواقع ويعبر عن مسائل العصر من بوابته هو، حسب ما يحقق للشاعر شاعريته. من هذه الناحية يتحول الكون إلى لغة باعتبار اللغة نافذة الشاعر للتعبير عن قضاياه، ومادة الشاعر لبناء عالمه الشعري، فاللغة هي بوابة الإدراك، وهي أداة الفهم، ومسلك التأويل، وريشة الفنان الشاعر التي تمكنه من نسج لوحته الفنية: قصيدته الشعرية، في هذا المعنى نفهم قول درويش >في اللغة نجد حلولنا، في اللغة نحاول أن نزوج المعلوم من المجهول، في اللغة نسافر ونعود، في اللغة نرسي للسفر قواعد سفر رمزية، وتكسر ذاتها لتبني ذاتها، أو تكسر السفر، في اللغة نصالح ما لا يتصالح في الواقع (...)، وفي اللغة نعلم حربنا ونقيم سلامنا<.

>درويش: الرسائل، ص 721<.

فاللغة إذن باتت البديل الشعري للواقع، هي الحدود اللامحدودة التي يتحرك داخلها الشاعر، ليسافر في جميع الاتجاهات؛ فيلاقي وطنه المفقود في الواقع يعيشه وينصت إلى خلجات الوجود فيه، ويبني معه أحلامه وحنينه وآماله وآلامه وانتظاره ورجاءه...، وتصبح اللغة عنده هي الوطن، هي لحظة الغبطة الشعرية عزيزة المنال، وعصية على الابتذال، يكون المحال فيها ممكنا، والممكن ضربا من المحال. فالقصيدة إما أن تكون فنا وإما ألا تكون، وقد أدرك درويش ذلك فسعى إلى أن يرتقي بشعره إلى عتبات الفن الخالد.

وباتت القصيدة بحثا عن القصيدة، والشعر رحلة في البحث عن الشعر، وهو يلاقيه إذ يبحث عنه لكنه لا يصل منه أبدا إلى الغاية؛ لأن الوصول بالنسبة إلى الفنان الشاعر يعني اكتمال القصيدة وموت الشاعر. وهو إذ يبحث عنه فهو يسافر عن أرضه إلى أصقاع أخرى بعيدة في الشرق والغرب في الزمن السحيق ومدونات العشاق وأساطير المحبين، عساه يلاقي غربة تخفف من غربته، وعله يجد في قصص الحب ما يواسي مأساة حبه، كذلك كان في >سرير الغريبة< يحمل غربته باحثا عن فيء يستريح تحته أو سرير يلقي عنده عصاه، عله يجد متنفسا للراحة. انظر قصيدته >وقوع الغريب على نفسه في الغريب< أو >خذي فرسي واذبحيها< و>أرض الغريبة/أرض السكينة< و>طائران غريبان في ريشنا<.

فلقد كانت غربة درويش غربة العاشق الذي أعيته السبل فبات متماهيا معها متماهيا بشهداء العشق القديم، يجد قصته في قصصهم، ومعاناته في معاناتهم، وغربته في غربتهم، ويأسه في يأسهم، وخلوده في خلودهم. إنه قدر العاشق وقصص العشق، كأنها مأساوية أبدا. نجد ذلك في قصائده الأخيرة في ديوان >سرير الغريبة<: >أنا وجميل بثينة<، >قناع لمجنون ليلى<، >درس من كاما ستره<، >طوق الحمامة الدمشقي<.

ففي قصيدته مثلا >أنا وجميل بثينة< يبدو الشاعر القديم ملهما للشاعر الحديث، ويبدو هذا الأخير حاملا اللواء نفسه، الذي كان يحمله الأول؛ فقد تحولت بثينة في نص جميل إلى لؤلؤة خالدة، يشيخ الزمان ولا تشيخ، وتهرم الأماكن ولا تهرم، ويزول كل عرض عابر وتبقى اللؤلؤة خالدة لا ينال منها الزمان. إنها بثينة القصيدة، وإنه الشعر الذي يرتقي إلى أعلى مراقي الفن. ولقد كان جميل خالدا من حيث استطاع أن يضمن لحبيبته الخلود، كذلك تحولت فلسطين مع أحد كبار عشاقها إلى نهر خالد من الفن، عزيز عن أن يصيبه ما يمكن أن يصيب العرضي الزائل من فناء. وبات التماهي بين الشاعرين مطلقا، حتى لكأن جميلا وهو يعشق بثينة كأنه درويش وهو يعشق فلسطين، أليس العشق مهما كان المعشوق عشقا واحدا لا يختلف وإن اختلفت به السبل.

يقول درويش:

هي أم تلك صورتها

إنها هي يا صاحبي، دمها، لحمها

واسمها، لا زمان لها. ربما استوقفني

غدا في الطريق إلى أمسها.

هل أحبتك؟ أم أعجبتها استعارتها

في أغانيك، لؤلؤة كلما حدقت في لياليك واغرورقت... أشرقت قمرا قلبه

حجر يا جميل؟

هو الحب يا صاحبي موتنا المنتقى

عابر يتزوج من عابر مطلقا...

لا نهاية لي، لا بداية لي، لا

بثينة لي أو أنا لبثينة. هذا

هو الحب يا صاحبي. ليتني كنت

أصغر مني بعشرين بابا لكان

الهواء خفيفا علي، وصورتها الجانبية

في الليل أوضح من شامة فوق

سرتها...

هكذا تحول درويش من شاعر ندب شعره لخدمة قضية إلى شاعر ندب عبقريته لخدمة نصه، وتحول من مناد بالوضوح إلى شاعر يرى أقصى الوضوح في الغموض.

فهو يقول في قصيدته >مأساة النرجس ملهاة الفضة< من ديوانه >أرى ما أريد<

>لكن فينا من أثينا ما يجعل البحر القديم نشيدنا

ونشيدنا حجر يحك الشمس فينا

حجر يشع غموضنا. أقصى الوضوح هو الغموض<.

إنه اختيار شعري لشاعر باتت  قضيته تعيش معه داخل مقتضيات الشعر، ورؤيته الفنية تحددها مشيئته وليس أمرا مسلطا عليه من خارج النص. ألم يقل: >إنه يرى ما يريد<.

خاتمة

ما ننتهي إليه من هذه الدراسة:

1 - إن الحركات الكبرى في مجتمع من المجتمعات، في أي قطاع من قطاعاته أو جهة منه جهاته، لا يمكن أن تنشأ عن نزوة أو افتعال، لذلك نحن ضد الطرح الذي يفهم منه أن حركات الشعر الحديث كان بالإمكان الاستغنناء عنها، باعتبارها حركة في السطح قامت بها مجموعة كانت تسعى إلى النسج على منوال ما هو موجود في الثقافات الأخرى على سبيل التزين والمباهاة.

إن عمل الخلخلة الكبير الذي انتاب بنية الثقافة العربية القديمة بفعل عوامل أطنب الباحثون في شرحها هو الذي دعا الكتاب والشعراء إلى البحث عن مسالك في الكتابة جديدة، وحرضهم على الخروج من سلطة أبنية لعلها لم تعد تستجيب بما فيه الكفاية لنواميس هذه الكتابة الوليدة، التي كان من غاياتها في معظم مراحلها إخراج بنية الشعر القديمة من المضايق والمآزق بإجراء تحوير جزئي عليها يربطها بالعصر ولا يقطعها عن الأصل.

2 - إن السؤال المحير حقا هو درجة الاهتمام والغليان التي لاحظناها في الساحة الثقافية العربية منذ منتصف القرن الماضي، والتي كانت وراء كثير من المعارك والجدالات بين أنصار الطريقة القديمة والطريقة الجديدة، وهو جدال انتهى في كثير من الأحيان إلى التهجم والتخوين ونية التقويض، حتى أنهم أوجدوا لبعض الحركات صلات بقوى أجنبية كانت تحثها على تقويض الشخصية العربية، وتهديم كيانها بالخروج عن شعرها وعن طرائق استعمالها.

والسؤال هو: لماذا كل هذا الغليان وهذه العواصف الهوجاء، في حين أننا لا نصادف ذلك في الثقافات التي تعتبر بعض تجارب الشعر فيها مراجع لتجاربنا؟ لماذا لا نصادف في الثقافة الفرنسية - مثلا - كل هذا الصراع حول أشكال الكتابة وطرقها؟ بل لماذا لا ضير أن يجمع الشاعر الواحد بين الأنواع وأن يصل فيها إلى أعلى ذروة في الفن.

إن بودلار مثلا كتب شعره على أغلب الأشكال التي عرفها الأدب الفرنسي من القرن السادس عشر إلى اليوم، وهو في جميعها شــــاعر، ولم نصــــــادف من لامه على الجمـــــع بين قصيدة Lصalexandrin وقصيدة النثر.

نعتقد أن نقادنا وشعراءنا في حاجة إلى طرح مثل هذه الأسئلة.

والإجابة عن هذا السؤال إجابات في الحقيقة، نكتفي بالإشارة إلى واحدة منها نعتبرها الأهم.

3 - إن دارس الشعر الأوروبي الحديث - ونموذجي الذي أبني عليه هو الشعر الفرنسي - والنصوص النقدية المهمة التي تناولته بالدرس يدرك ما أخطأته حركة الشعر عندنا عندما تعلقت في التجديد بظواهر الإيقاع والإيقاع الخارجي؛ إذ لا فرق عندنا بين البيت والسطر من هذه الجهة. أخطأت في اعتبار أن الشعر في جوهره لا يكون شعرا بالشكل الذي يختاره وإنما هو شعر بالرؤى العميقة التي تملأ أرجاءه والعلاقات الجديدة التي يستحدثها، والعوامل التي يدفع النص إليها، ولم يسبق لغيره أن دخلها أو وطئها. فالشعر يستمد قوته وسلطته وشعريته من هذه القدرة العجيبة على إعادة صياغة الأشياء وابتداع علاقات جديدة بينها والوقوف على الأسرار الخفية والتوترات الصاخبة الواقفة وراء الهادئ والمطمئن المنتظم. وإذا استطاع الشاعر أن يدخل إلى هذه الفضاءات ويسعى إلى تحقيق جزء من هذا الطموح، لا يهم بعد ذلك أن يكتب في الشكل الذي يختار، والذي يراه ملائما لتجربته، قادرا على قول ما يريد أن يقول، وعليه فيمكن أن تكون القضايا الحادثة في العصور الحديثة سببا من أسباب بروز الشعر الحديث، كما سلف أن ذكرنا، ولكن هذه القضايا هي أيضا لا تضمن للشعر المكرس لها، اللاهج بها، المعبر عنها، لا تضمن به الشعر. ولا تمكنه من درجة في الشعرية خاصة.

فكم قرأنا من قصائد في الحرية وفي المطالبة بالحق وفي تقرير المصير وهي قصائد حماسية سطحية نشكك في فعلها وتأثيرها، لأنها مجعولة لإرضاء الناس وترضية الجماهير، ولما لا ترضية العقيدة السياسية التي ينتمي إليها الشاعر. من غير أن تكون تلك الأشعار نابعة من تجربة ذاتية ورؤية عميقة، تنفذ إلى ما وراء الظاهر، وذلك هو شرط الكتابة الحق. وهذا لا يعني أننا لا نقف على نصوص واجهت مسألة الحرية مثلا مواجهة معينة، ومضبوطة خرج فيها صاحبها على هذا الخطاب العام إلى التعبير عن رغبة أو مأساة أو جرح شخصي، ما يحول الحرية مما كان يسميه الفلاسفة في القديم المشهورات، حيث تصبح ملفوفة في عبارات جاهزة، ولكن المشكل هنا هو أساسا:

- صعوبة إدراك التحولات في النص الشعري:

أولا: هذه التحولات تحولات بطيئة يتطلب تقييمها فترة زمانية وممارسة شعرية متواصلة مسترسلة.

ثانيا: أغلب الدراسات - مع الأسف - التي يمكن أن نقرأها عن قضايا الشعر المعاصر هي دراسات في الغالب تقف عند العموميات، ويكرر بعضها البعض، وهي إضافات ليست دائما ذات بال، وقل أن وقفنا على دراسات تناولت التطورات الحاصلة في أساليب البناء والتصوير والتحولات الواقعة في الرؤى البانية للشعر. فهذا عمل صعب لأنه يتطلب تحليلا دقيقا لعدد كبير من النصوص، تختار من حقب مختلفة وبيئات مختلفة، ويقع الإنصات فيها إلى دقيق التحولات، وهو أمر إذا استثنيا بعض الدراسات القليلة يكاد يكون منعدما. فهل نعرف ما حدث في كيفيات القول في تجربة شعرية استمرت أكثر من أربعين سنة كتجربتي أدونيس ومحمود درويش؟ وما هي الشروط التي تميز قصيدة النثر والكيفيات التي كتبت بها؟ وما هي خصائص الكتابة مثلا من حيث الكيفية عند درويش في >أرى ما أريد< و>أحد عشر كوكبا<؟ وهل تطورت هذه الأساليب أم انتكست في >لماذا تركت الحصان وحيدا< و>سرير الغريبة<...؟

فقياس هذه التحولات وتعيينها ليس أمرا بسيطا؛ لأنه أمر يتطلب تحليلا مطردا للمنجز الشعري عند الشاعر الواحد، وعند الشعراء المجتمعين. وهذا أمر قد نستعيض عنه بفراسة بعض النقاد الموهوبين، ولكن هذه الفراسة نفسها لا تخرج عن هيمنة بنى ثقافتها وطريقتها في النظر إلى الأمور ووجهة نظرها في الشعر وما به يكون شعرا. فحتما التغيرات موجودة في المضامين وفي البنية، فالبياتي لا يكتب مثل خليل مطران، وأدونيس لا يكتب مثل البياتي، وأدونيس الآن ليس أدونيس 58 أو 61 مثلا، وكذلك درويش >أوراق الزيتون< ليس درويش >أرى ما أريد<.

فبعض هذه التغيرات واضحة تظهر للإنسان بنظرة عجلى حتى في توزيع النص على الورق، وهذا واضح في مستوى الانتقال من البيت إلى السطر، أو في مستوى أعمق تتحول فيه القصيدة من كائن مسموع إلى موجود أو كائن مرئي. وقد استغل بعض الشعراء هذا الجانب استغلالا كبيرا وعلقوا به جزءا مهما من معاني القصيدة وبناها، كما فعل محمد بنيس المغربي في المداخلة بين الرسم والشعر. كذلك من وجوه التغيير الحادثة في طرق الكتابة الزهد شيئا فشيئا في أغلب العناصر التي كان يقوم عليها كيان القصيدة القديمة، وفي طليعتها العناصر الصوتية كالزهد في القافية... مما حدده محمد العمري في دراسته المهمة عن بنية النص الشعري القديم.

كذلك ظهرت قصيدة النثر والمشاكل الحافة بها في الثقافة العربية المعاصرة، أشهر من أن أحدثكم عنها في هذا المجال، وقد تفنن بعض روادها في الإيفاء بما اعتقدوا أنه من مقتضياتها، كالاعتماد على اللمعة الدالة والكثافة والتكثيف وما إليها من خصائص...

أما من حيث المضمون فهناك لا شك تغيرات اهتم بها الشعر في طرحه للقضايا التي أطاحت بسياقه الثقافي الحضاري العام، والشعراء بحكم انتمائهم إلى بلدانهم وعصورهم مدعوون كغيرهم من الناس إلى أن تمسهم هذه القضايا، وأن يعبروا عنها ويذكروا مواقفهم منها. ولذلك نجد هذا الشعر مواكبا لا يطرح في كل مرحلة من مراحل حياة الناس في البلدان التي ينتمون إليها.

فالشعر يثير مشكلة كبيرة: ما هي المدونة التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة مثل هذا الموضوع؟ هل هي المدونة المكرسة المنشودة التي أصبح لنصوصها حضور في مختلف مستويات الحياة الثقافية؟ أم هو الشعر الذي ينشر في المجلات والجرائد في مختلف الأقطار العربية، ولا يمكن للقارئ مهما أوتي من جهد وعزم الاطلاع على هذا الشعر، وهو لا يصل منه إلا جزء ضئيل، زد على ذلك أن الكثير منه هو نصوص لشعراء لم تثبت أقدامهم في الشعر بعد.

لقد طرحنا هذه المسألة لاعتقادنا أن الشعر على عكس - ربما - الخطاب السياسي، ليس منخرطا في قضايا المجتمع انخراطا يوميا مباشرا محايثا للقضايا، بحيث ما إن تطرح حتى ننبري لمعالجتها والخوض فيها.

فالالتقاط السريع للقضايا التي تطرح قد يسطح الشعر ويمنع الشاعر من أن يعمق رؤيته، وأن يكتب نصا يجمع فيه بين مقتضيات الفن ومقتضيات الالتزام في معناه الواسع، فلا بد للشاعر والشعر بصفة عامة من أن يجد الوقت لتحويل المواضيع اليومية إلى مواضيع شعرية، فالتساؤل عن التطور والتحديث يظل قائما: في أي شيء يكون، هل يكون في الأشكال والمضامين؟ أم يكون في الرؤى؟ فالمضمون الحديث إن لم تصاحبه رؤية حداثية فإنه يبقى مضمونا قديما.

فالأساسي هو كيف أن الرؤى المحتجبة هي التي تلتهم أحيانا حداثة الشعر، لأنها تسيطر عليه وترده إلى ما تريد أن ترده إليه.

المصادر والمراجع

المصادر:

- البرغوثي (مريد): الأعمال الشعرية، ط 1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1997.

- درويش (محمود): الأعمال الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 3، 1973.

- لماذا تركت الحصان وحيدا؟، ط 1، رياض الريس للكتب والنشر، 1999.

- سرير الغريبة، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، 1997.

- جدارية، ط 1، رياض الريس للكتب والنشر، 2000.

- لا تعتذر عما فعلت، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، 2000.

- قباني (نزار): الأعمال الشعرية الكاملة، ط 5، منشورات نزار قباني، بيروت 3891.

المراجع:

- إسماعيل (عز الدين): الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار العودة - لبنان، ط3، 1981.

- (س) موريه: الشعر العربي الحديث، 1800 - 1970، تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي، ترجمة وتعليق شفيع السيد وسعد مصلوح، القاهرة، دار الفكر العربي (د ت).

- في قضايا الشعر العربي المعاصر: دراسات وشهادات: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1988.

- Cassirer (E.), La philosophie des lumières Ed. Fayard, Paris 1966.

- Darwich (Mohmoud), Palestine comme Métaphore, entretiens, traduit de lصarabe par Elias Sandar & de lصhebreu par Simone Bitton, Sindbad, Ed. 1, 1997.

- Khir Beic (Kamel), le mouvement moderniste de la poésie arabe contemporain, Paris, P.O.F 1978.