مختارات من شعره

مختارات من نثره (نقده)

مختارات مما كتب عنه

عبدالله العتيبي

بقلم: د. سالم عباس خدادة

نحن نبني هياكل النور لكن

كم ضياء بنا وأدنا انبثاقه

كلما لاح في سمانا هلال

واستوى بدره صنعنا محاقه

إيه يا صوتنا القديم أغثنا

قبل أن ندمن الدجى وانغلاقه

أمن التائهين ترجو دليلا؟

ومن البكم تستمد الطلاقة

إنه الوهم يا حداة المطايا

ليس في الركب أحمد يا سراقة

 

>مزار الحلم<

 

هكذا عبر عبدالله العتيبي عن حزنه أمام الزيف وتحطيم الذات والضياع والصمت الرهيب، فهذه السيئات مجتمعة رسمت ملامح الركب المشوه الذي مازال يقود الأمة، ومن الطبيعي لركب هذا شأنه أن يخلو من المخلص الذي بدا حلما وما زال كذلك.

إن عبدالله العتيبي منارة تشع مصابيحها بألوانها الجميلة الزاهية لتنير سماء الثقافة، وتضيء آفاق الشعر.

ولد عبدالله محمد العتيبي في الكويت عام 1943، وضمه ثراها الطيب الحبيب عام 1995، وما بين الميلاد والرحيل أشواط من النشاط الإبداعي والثقافي، قطعها بإخلاص المحبين وبحب المخلصين، ولو نظرنا في سيرته الذاتية لأدركنا حجم مشاركته المشرقة في مختلف الميادين. وإذا ما تجاوزنا جانبا مهما من سيرته النضرة، وأعني جهده في العمل الأكاديمي مهنيا وإداريا، وإسهاماته الكثيرة في عضوية اللجان لدى المؤسسات الثقافية المتنوعة، ومشاركاته المتميزة في الأسابيع الثقافية الكويتية في الخارج، وعلاقاته الحميمة بأصدقائه وغير ذلك مما هو موثق في عدد خاص من مجلة البيان، وفي كتاب >عاشق الكويت< لهاشم السبتي(1)، نقول إذا ما تجاوزنا كل هذا النشاط الفعال، فإن الذي يبقى من سيرته الناصعة هو الأكثر إشراقا وإنارة ويتمثل في مجالين بارزين هما: إبداع الشعر، وقراءة الشعر، ونحب أن نبدأ بالوقوف عند قراءته الشعر لنختم بالمسك الذي يضوع من إبداعه في هذا الفن الجميل.

 

المجال الأول: قراءة الشعر

 

وجه عبدالله العتيبي اهتمامه إلى هذا الفن دون سواه(2)، لأن كيمياء الشعر في دمه إبداعا، وفي أشواقه لهذه الكيمياء في دماء الآخرين قراءة، كانت تفعل فعلها مع مرور الأيام، وفي ضرب من التوازن نادر، وفي لون من الانسجام فريد، فهو شاعر بالفصحى وشاعر بالعامية، وهو ناقد لشعر الفصحى، وناقد كذلك لشعر العامية، وعطاءاته متميزة في هذا وذاك، ولمساته لا تخفى هنا، ولا تخفى هناك، وإذا كانت دراساته الأكاديمية انصبت على قراءة الشعر العربي القديم، فإنه بعد حين تحول بجهده كله إلى قراءة الشعر الكويتي >الفصيح والعامي<، وقدم في ذلك كتابات كان لها صداها الطيب وما زال.

 

1- قراءة في الشعر العربي القديم

سعى عبدالله العتيبي إلى القراءة الجادة في الشعر العربي منذ المراحل الأولى في حياته العلمية، ومن خلال نماذج العصور الأولى في حركة هذا الشعر: الجاهلي والإسلامي والأموي، فأنجز رسالته للماجستير حول >شعر السلم في العصر الجاهلي<، عام 1972، كما أنجز رسالته للدكتوراه حول >الحرب والسلم في الشعر العربي من صدر الإسلام إلى نهاية العصر الأموي< عام 1977، وإذا كانت الرسالة الأولى قد طبعت عام 1977، فإن الأخرى ما زالت مخطوطة، كان رحمه الله يعيد النظر فيها من أجل طباعتها، ولكن القدر لم يسمح بمزيد من النظر.

 

أ- شعر السلم في العصر الجاهلي(3):

كان العتيبي، منذ صباه، شغوفا بشعر الحماسة خاصة وبالشعر الجاهلي عامة. هذا الشغف لم يمنعه من النظر في الوجه الآخر لهذه الحماسة المرتبطة بالحرب، ومن هنا بدأت رحلته في البحث عن سمة فارقة تدفع إلى غربلة هذا التصور عن العصر الجاهلي، فتخالف ما اشتهر به من علو في صوت الحرب، وخفوت في صوت السلم، ذلك أن حياة الجاهليين فيها من معاني الحب والتسامح والوفاء ما يؤكد نزعة السلم لديهم، فهل كان لهذه النزعة حضور في شعرهم؟

هذا التساؤل هو الذي أقام عليه العتيبي أطروحته للماجستير، التي جاءت في مقدمة وتمهيد وأربعة أقسام وخاتمة.

أما المقدمة، فبين فيها الخطوات الأولى لرحلته في هذا البحث، والصعوبات التي واجهها، والتي تتلخص في ضرورة توثيق النصوص لفترة أثير حولها الشك في نسبة النصوص إلى أصحابها. وكذلك ضياع الشعر الجاهلي أو الكثير منه، مما يضيق مساحة البحث عن مفهوم السلم فيه، وخصوصا أن معظم هذا الشعر الذي وصل إلينا متعلق بالحرب وما يدور في فلكها كما يعبر العتيبي نفسه.

وأما التمهيد، فقدم فيه عرضا موجزا لأهم مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عند عرب الجاهلية، إيمانا منه بجدوى ذلك في تشكيل الخلفية الحضارية لشعر السلم، وتأكيدا لوجود شعر السلم كظاهرة اجتماعية اقتضتها ضرورات الحياة عندهم.

وفي القسم الأول حدد العتيبي مفهوم السلم في العصر الجاهلي، وكيف أن الجاهليين حددوه في دائرة أصدقائهم، أي من تربطهم بهم علاقات حلف ومعاهدة، وخلص إلى أن هذا المفهوم لا يختلف عن المفهوم العام للسلم الإنساني بناء على ما في عاداتهم وتقاليدهم من مظاهر سلمية.

وجاء القسم الثاني ليتناول فيه الباحث مفهوم الحرب عندهم، وكيف أنها كانت ضرورة ألجأتهم إليها طبيعة المرحلة التي كانوا يمرون بها، وكذلك حدد موقفهم من هذه الحرب وتصويرهم لها.

أما القسم الثالث، فقد وضع فيه الباحث شعر السلم تحت عنوانين كبيرين: الأول، شعر السلم المباشر، وهو كل ما دعا إلى السلم بطريق صريح مباشر. والآخر، هو شعر السلم غير المباشر، وهو كل ما يتعلق بالدعوة إلى السلم، والتنفير من الحرب بأي شكل من الأشكال، وعلى أي صورة من الصور.

وأما القسم الرابع، وهو الأخير، فحاول العتيبي دراسة شعر السلم، وذلك من خلال إبراز مظاهر الدعوة إلى السلم ووسائلها النفسية والاجتماعية، كما حاول إثبات أن الدعوة السلمية في العصر الجاهلي هي أشبه بظاهرة اجتماعية قامت استجابة لرغبة جماعية، أحسها ضمير القبائل، وعبرت عنها وسائل إعلامهم وهم الشعراء.

ب - الحرب والسلم في الشعر العربي، من صدر الإسلام إلى نهاية العصر الأموي(4):

يتابع عبدالله العتيبي رحلته البحثية، ولكن في إطار زمني مختلف، والاختلاف هنا لا يعني التغير الزمني فحسب، وإنما ذلك التغير الذي قلب الموازين بفضل شروق شمس الإسلام التي بدلت حال العرب، فتبدلت معها مفاهيم الحرب والسلام، إن أثر الإسلام كان عظيما، فقد جرى توحيد القبائل العربية المتنافرة في أمة واحدة تحكمها حكومة واحدة وفق مبادئ وقوانين سماوية عادلة، كما أعيدت صياغة النفسية العربية على أساس من المبادئ والقيم السامية، إلا أن قراءة مفهومي الحرب والسلم في إطار هذا الطور الحضاري الجديد لم يكن ميسرا كما كان يظن الباحث لأول وهلة، وذلك لأمور لعل من أهمها استمرار بعض مظاهر السلوك الجاهلي، ثم بداية الصراع على السلطة، وظهور الفرق والمذاهب والأحزاب في العصر الأموي، وعلى رغم هذا حاول العتيبي، كما يقول، أن يغوص في النفسية الإنسانية المسلمة لكي يبرز موقعها الحقيقي من ظاهرتي الحرب والسلم من خلال النظر المتأمل في شعر تلك الفترة، فوقف عند كل شاعر وعند كل قصيدة لعله يسمع همس الإنسان المسلم، على رغم ضجيج الحوادث، ودوي الأحداث العظام التي ألمت بهذا المجتمع الإنساني الجديد الذي سعى الإسلام إلى إعادة صياغته على أسس المحبة والسلام، وقد جاءت دراسة العتيبي هذه في تمهيد وستة أقسام وخاتمة.

أما التمهيد، فكان عرضا موجزا لمفهومي الحرب والسلم في العصر الجاهلي، إيمانا من الباحث بجدوى ذلك في تشكيل الخلفية الحضارية لمفهومي الحرب والسلم في الإسلام، هذه الخلفية التي تسمح بالمقارنة بين مرحلتين، مما يمنح المفهوم الإسلامي صورة واضحة تتألق من خلالها الدعوة الإسلامية كعقيدة هدفها سعادة الإنسان في كل زمان ومكان.

أما القسم الأول، فقد عالج فيه الباحث تحديد مفهوم الحرب في الإسلام، وكيف أن الإسلام رفض جميع أشكال الحروب، وقصر مشروعيتها على >الجهاد<، وهو التصور الذي طرحه الإسلام كصيغة للحروب المشروعة.

وأما القسم الثاني، فقد تناول مفهوم السلم في الإسلام، وكيف احتضن الإسلام قضية السلم كمبدأ لا بد أن يسود هذا العالم متخذا لتحقيق ذلك كل الوسائل والأساليب.

وفي القسم الثالث، قراءة لصورة السلم في شعر صدر الإسلام، وبيان أن الشعر أسهم بنصيب موفور في رفع راية الإسلام، وقد سلك الشعراء في سبيل ذلك طريقين:

أحدهما: الدعوة إلى الإسلام بوصفه عقيدة جديدة هدفها سعادة الإنسان.

وثانيهما: الدعوة إلى قيام مجتمع جديد يؤمن بقيم هذه العقيدة.

أما القسم الرابع، فقد عرض فيه الباحث صورة الحرب في شعر صدر الإسلام مبرزا انسجام هذه الحرب مع مفهوم الدعوة الجديدة، إذ أباح الإسلام الحرب الوقائية لصد العدوان، وإتاحة الفرصة لانتشار الدعوة إلى الناس كافة.

وجاء القسم الخامس ليتناول صورة السلم في الشعر الأموي، وهي امتداد طبيعي للتصور الإسلامي العام للسلم، فقد كان السلم لدى شعراء هذا العصر يشكل جوهرا أساسيا وضرورة قصوى لبناء مجتمع جديد وحياة إنسانية سعيدة، مستغلين بذكاء كل ما يحقق آمالهم في واقع حي ملموس.

أما القسم الأخير - القسم السادس - فعالج فيه العتيبي صورة الحرب في الشعر الأموي، التي جاءت منسجمة مع المفهوم الإسلامي للحرب، كما أن الحرب السياسية والحزبية كانت تنطلق من هذا المفهوم، إذ إن كل حزب من الأحزاب السياسية كان يؤمن بأن المبادئ التي يحارب من أجلها هي المبادئ العادلة الصالحة لمنهاج الحكم والسياسة.

هذا هو محتوى رسالتي عبدالله العتيبي العلميتين أوردناه من خلال الاعتماد على لغة العتيبي نفسه في مقدمتيهما مع شيء من التصرف أحيانا حتى نضع خطوات جهده العلمي أمام من يريد الاطلاع المفصل على هذا الجهد. وقد لقيت هاتان الدراستان قراءة متأنية من محمد حسن عبدالله في ورقته التي قدمها لملتقى عبدالله العتيبي الشعري في رابطة الأدباء عام 6991، ثم ضمت في الكتاب التذكاري عن العتيبي ، الذي صدر بعد ذلك عن سلسلة كتب الرابطة، حيث توقف المذكور عند الظروف التي أحاطت بإنتاج العتيبي لهاتين الرسالتين العلميتين، ولعل أهمها بيان الفكر النقدي السائد الذي تأثر به العتيبي، والذي كان من بين اهتماماته الرئيسية التركيز على محتوى العمل الأدبي، بوصفه رسالة، أو موقفا أيديولوجيا وفق بعض المفاهيم الاشتراكية التي كان لها صدى في ذلك الوقت(5).

وعلى العموم، فإن محمد حسن عبدالله حاول بيان جوانب القوة، ولم ينس أن يشير إلى جوانب الضعف، مع ما شاب هذه المحاولة من قلق في بعض المواضع، فمن جوانب القوة التي بينها:

1- قدر العتيبي على التحرر من الأقوال الشائعة، حيث راح يبحث عن السلم في الشعر الجاهلي على الرغم من أن الحرب كانت سمة هذا العصر مما يوحي بعدم اطمئنانه إلى الأحكام ذات الطابع الشمولي ولهذا يقول >لجأت إلى الشعر الجاهلي أستنطقه، وأفتش في عميق معانيه عن جزئيات ومواقف، ولو كانت صغيرة لعلي أكون منها صورة السلم عندهم<(6).

2- وهو جانب يتصل بما سبق، حيث يفاجئ العتيبي أفكارنا الجاهزة عن الأشخاص والأحداث بما يصدم جاهزيتها دون افتعال وتمحل، كالذي شاع عن المهلهل أخي كليب أنه سعر حرب البسوس، وأنه موصوف بالدموية والوحشية والجاهلية، إلا أن العتيبي يستحضر من النصوص ما يغير هذا التصور عن هذا الرجل، فيذكر أنه شاعر وضعته الظروف في دروب المحارب مع أنه مسالم بطبعه، عاشق للحياة ومباهجها...(7).

3- تفريقه بين الشجاعة والمسارعة إلى الحرب والفرح بالقتال، ومن ثم توقف عند شخصية عنترة الذي كان يرى في الحرب بلاء وتبرأ منها، فلا يدخلها إلا مكرها، ويتمنى لو لم تكن تلك الحرب ولا كانت مسبباتها، وهو يورد رواية يقول فيها عنترة عن الحرب: بأن >أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى<(8)، ثم يقرأ المشهد الحواري بين عنترة وفرسه قراءة جديدة بحق...(9).

4- كما يرى محمد حسن أن العتيبي ينبهنا إلى بدايات شعر النقائض من خلال الإشارات إلى الهجاء المتبادل بين حسان بن ثابت في لاميته:

ولقد نلتم ونلنا منكم

وكذاك الدهر أحيانا دول

التي جاءت ردا على ابن الزبعرى في قصيدته التي مطلعها:

يا غراب البين أسمعت فقل

إنما تنطق شيئا قد فعل(10)

والحقيقة أن مثل هذا التنبيه الذي ذكره محمد حسن عبدالله إلى مثل هذه البدايات قد يحتاج إلى مراجعة إذا ما علمنا بوجود كتاب >النقائض الأدبية< لأحمد الشايب، والعتيبي، رحمه الله، قد رجع إلى هذا الكتاب في أحد هوامشه(11).

5- الاهتمام بالشعراء المغمورين الذين ظلت أشعارهم حبيسة كتب السيرة النبوية وبعض المصادر الأخرى، فلم يكتف العتيبي بالأسماء المشهورة من مثل حسان بن ثابت والفرزدق والأخطل والمغيرة بن الأخفش وخالد بن المعمر، وعبدالله بن الحارث وغيرهم، إنما ذهب إلى أبي أحمد عبد بني جحش، ورافع بن عميرة الطائي، وعبدالرحمن بن حنبل ليعيد إبداعهم الشعري إلى الحياة لزعمه أنهم أكثر صدقا من المشهورين الذين لهم علاقاتهم وحساباتهم ومحاذيرهم التي يعرفون كيف يداورون عليها ولا يفضون بها(12).

أما جوانب الضعف فتتمثل في أمور أشار إليها، لعل أهمها أن >جانب الشاعر تغلب على جانب الباحث، فظل يبحث عن الإنسان فيما وراء القصيدة أكثر مما يبحث عن الشعر في القصيدة ذاتها<.. (13).

كما أن العتيبي لم يعط اهتماما لدرامية العلاقة بين الحرب والسلم، لذا جاءت الدراسة في أقسام معزولة، فبعد مقدمات طويلة ليست في الموضوع نلتقي بالسلم في شعر صدر الإسلام، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الحرب في شعر صدر الإسلام، وتكرر ذلك مع الشعر في العصر الأموي.

فليست الإطالة المسرفة في المقدمات التاريخية ذات الأسلوب الخطابي هي نقطة الضعف الأساسية - وفق محمد حسن عبدالله - في أطروحة الدكتوراه، إنما المأخذ يأتي من جوهر التقسيم الذي لم يمكن الباحث من الكشف عن وشائج التفاعل بين الحرب والسلم في مرحلة >درامية< من التاريخ الإسلامي، والحل لذلك هو تغيير تقسيم مادة البحث، أو إيجاد قسم خاص بالدراسة الفنية(41).

وبعد هذه الملحوظات الإيجابية والسلبية، أجمل المبادئ النقدية التي روعيت في تقييم الشعر في هاتين الرسالتين العلميتين وحصرها في الآتي:

1- الحرص على إيراد النص كاملا.

2- النص متحقق الوجود بذاته.

3- توازن الانطباعية والموضوعية.

4- تكامل عناصر البناء الفني للقصيدة.

وهذه المبادئ التي حددها محمد حسن عبدالله قد تكون دقيقة في ذاتها، لكنها قد لا تكون على هذا النحو إذا ما قرأناها في ضوء التفصيلات التي أوردها قبل ذلك، وانطلاقا من المادة العلمية في الدراستين، إذ يبدو أن الناقد الكريم لم ينتبه إلى سابق كلامه، فيورد في النتائج ما لم يقله في المقدمات، على نحو تبدو فيه هذه المبادئ أو معظمها كأنها تتصادم مع ما سبق.

وربما يكون المبدأ الثاني أكثرها دقة لاتساقه مع البيان الذي قدمه في متن قراءته مع أن هاجس العتيبي كان هو النص الذي يخدم مادته العلمية، سواء أكان من شاعر مشهور أم من شاعر مغمور، أما المبدأ الأول، وهو >الحرص على إيراد النص كاملا<، فليس من باب الحرص بقدر ما دعته إلى ذلك حقيقة النصوص ذاتها، التي لم تكن في غالبها طويلة، ومنهج الباحث كان يستدعي استحضارها لمناقشة قضية ما حولها.

ونكاد نستغرب من مبدأ >توازن الانطباعية والموضوعية< عند العتيبي، مع أنه مبدأ صحيح، لكن استغرابنا ناتج من أن هذا القول يتناقض مع ما أورده من قبل، وهو أن الانطباعية هي الغالبة في تقويمه للشعر(16)، إذن كيف يكون هنا توازن وهناك غلبة؟ أما >تكامل عناصر البناء الفني للقصيدة<، وهو المبدأ الأخير من مبادئه فقد فصل القول فيه بعد الإجمال، فأبرز اهتمام العتيبي بهذه العناصر، ولكن اللافت أنه قدم من قبل ما لا يتناسب مع هذا، فذكر أن العتيبي قدم رسالتيه إلى قسم الدراسات الأدبية بدار العلوم، وهو قسم يغاير ما يتطلبه قسم البلاغة والنقد من حيث معالجة النصوص وطرائق التعامل معها، مع علمه شخصيا أن الفصل بين القسمين فصل مفتعل - لم يستند إلى ذلك وغيره - فقد نجد في قسم الدراسات الأدبية من يقدم تحليلا للنصوص لا يقل أهمية عما يقوم به المشتغلون في قسم البلاغة والنقد، لذا فإن محمد حسن عبدالله يمهد لهذا المبدأ بما لا ينسجم معه بعد ذلك، فهو يرى في مقدمة كلامه أن العتيبي >محكوم بالمنهج الذي يحدد نشاط القسم العلمي، ويضع فاصلا بينه وبين قسم البلاغة والنقد، ومن ثم لن نجد له تحليلا نقديا إضافيا، أو شاملا، إنما هي تعقيبات تتداخل في مراحل بناء تصوره للعصر، حتى إن كان هذا التصور جزئيا يعنى بظاهرة محددة ومحدودة معا، وهي السلم أو الحرب والسلم(17)، كما لا ننسى أنه كان يرى - وقد أشرنا إلى ذلك - أن المشكلة تبدو لدى العتيبي في أن جانب الشاعر تغلب لديه على جانب الباحث، فظل يبحث عن الإنسان فيما وراء القصيدة أكثر مما يبحث عن الشعر في القصيدة ذاتها... نتساءل: ما الثوابت التي شكلت أدوات العتيبي في تقويم الشعر؟، ويأتي الجواب من محمد حسن بأنها ثلاثة: الفكر النقدي السائد في الستينيات، وقسم الدراسات الأدبية الذي التحق به، وكون العتيبي شاعرا شابا وصف إعجابه بموضوعه بأنه طفولي لا ينهض على الوعي الفني، والإدراك العلمي للخصائص الصياغية(81)، وقد لا نختلف معه كثيرا في بعض هذه الثوابت، إلا أنه فاجأنا في نهاية حديثه عنها حين عدها >سلبيات(19)، لأن العتيبي لم يمتلك قدرة على تحليل النصوص على النحو الذي يريده محمد حسن عبدالله، مع أن اتجاه العتيبي في قراءة الشعر إفراز طبيعي للقسم الذي أشرف عليه، ولأستاذه المشرف على نحو خاص، ومن الجدير بالذكر أن كلام محمد حسن عبدالله في مجمله قد جلَّى ملامح التشكيل الثقافي للعتيبي، وحدد أسس تقييم الشعر لديه من خلال المبادئ الأربعة، إلا أن لغته بدا فيها شيء من عدم الانسجام بين المقدمات والنتائج على نحو ما أشرنا.

ومن ثم، وفي ضوء ما سبق نقول: إن شخصية العتيبي قد بنيت وفق شروطها الذاتية الخاصة، ووفق الأفق الثقافي الذي أنتجها، وهو أفق سيطرت عليه الكتابة في الدراسات الأدبية على هذا النحو في ذلك العهد، ومن يقرأ مثل هذه الرسائل العلمية التي أنجزت في تلك الفترة يجد تشابها في الإنجاز، لا يكاد يختلف فيه باحث عن آخر إلا نادرا ولأسباب يأتي في مقدمتها طبيعة اختيار الموضوع، والتأثير الذي يحدثه المشرف في الموضوع والطالب معا.

 

2- قراءة في الشعر الكويتي

منذ أواخر السبعينيات بدأ اهتمام العتيبي يتجه إلى الشعر في الكويت: الفصيح والعامي (الشعبي)، فكتب عن خليفة الوقيان ويعقوب السبيعي وعبدالله سنان ويعقوب السبيعي كما كتب عن فهد بورسلي، وفن القلطة، والقضايا الاجتماعية في الشعر الشعبي الكويتي، وأثر البحر في هذا الشعر، ويكاد القارئ لما كتب يصل إلى قناعة أن هناك تناغما بين كل المقالات والدراسات التي قدمها في هذه الفترة، حيث ترسخت لدى العتيبي مفاهيم حول الشعر، وطرق معالجته، وهي لا تخرج في مجملها عما اكتسبه من خبرة خلال إنجازه لأطروحتيه في الماجستير والدكتوراه، &